القيامة: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ? وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ (1)
فالآيتان في شأن هامان تظهران أنه ليس له من الأمر شيء، بل هو يؤمر فيطيع، ويُرسَل لشأن فيذهب إليه بلا منازعة، ولم يكن هذا الحال من الاستحمار له حجة في صرف حكم الله وعذابه عليه كما يفتي أهل الجهالة اليوم.
قوله تعالى: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ﴾ هذه الخصلة الجامعة لهم، وهي السير على منوال إمامهم إبليس كما قال تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ (2)﴾، وقوله تعالى عنه: ﴿وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (3)﴾ والاستكبار من إبليس لم يكن رفضًا لعظمة الله وقدرته وربوبيته، بل كان استكبارًا عن السجود لآدم احتقارًا لشأن هذا المخلوق، واستكبار فرعون وقومه كان احتقارًا لشأن موسى وقومه كما قال تعالى في سورة المؤمنون: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلنَا وَقَوْمهمَا لَنَا عَابِدُونَ (4)﴾، وكان استكبار قريش عن متابعة رجل لم يكن بقُوى غيره من الرجال في المال والشرف كما قال الله عنهم في الزخرف: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (5)﴾ وهذا - لِمن عَلِمه - ردٌ على من أعذر المشركين في أي زمن في إعراضهم عن دين الله، كمن يعذر المشركين اليوم بشركهم وقتلهم المؤمنين وكراهيتهم الإسلام بسبب ضعف المسلمين أو تخلفهم في الصناعات، وأكثر من هؤلاء انحرافًا هو من جعل جهاد أهل الإسلام ضد الطغاة والمفسدين في الأرض عذرًا للكفر والشرك وكراهية الإسلام.
أمّا الزنادقة المجرمون في هذا الباب فهم الذين يعذرون المشركين في كراهيتهم للإسلام بسبب الأعمال النُسُكية والتعبدية كحجاب المرأة أو اللحية أو الأذان وما كان في هذا المعنى، وهذه الأصناف كثيرة تملأ زمان الجهل والضلالة.
قوله تعالى: ﴿فَكُلا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ﴾ وهذا تمييزٌ عن العذاب الذي يقع جملة في الناس إن خَلَت الأرض من المصحلين كما قالت عائشة - رضي الله عنها -: أنهلك وفينا الصالحون؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: نعم إذا كثر الخبث.
(1) هود: 98 - 99
(2) البقرة: 34
(3) البقرة: 34
(4) المؤمنون: 47
(5) الزخرف: 31