تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الغلام لسبُّوا عليه واتهموه بما يتهمون أهل الجهاد اليوم.

قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ لا يدلُّ على انحصار العذاب الإلهي بهذه الأمور، بل دلّ القرآن الكريم على غير ذلك من العذاب كالذي أرسله الله على قوم فرعون كما قال - سبحانه وتعالى -: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ (1)﴾ وهذه الآيات الكونية المُهلكة هي الأعظم التي يراها الناس، ومنها ما يلازم الحياة دون إهلاك كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾ فما يسلطه الله على العصاة من أمراض وضنك يكون على معنى معاصيهم، إذْ العذاب يكون ملائمًا للمعصية، ومنها أمراض الأنفس والأبدان، وانتشار العداوات والخصومات، وذهاب المعاني القيمية بين الناس كمعاني الأبوة والأمومة والأخوة والصداقة، وتحول البشر إلى بهائم وكلاب مسعورة، مع قلة الأمان والاطمئنان، كل هذه آيات كونية مرتبة على المعاصي والذنوب التي يقترفها الإنسان وذلك تحقيقًا لقاعدة القرآن العظيمة: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (2)﴾

وأمّا الارتباط السُنَني بين المعاصي والعذاب فمنه ما يُدرَك بالعقل لجريان السنة والعادة به، ومنه ما لا يُدرَك إلا بالخبر الشرعي، وكلاهما يجب الإيمان بهما لدلالتهما اليَقينيّة، وهذا بابٌ طويل، ومقامات الفهم فيه هي مقامات فهم القضاء والقَدَر بين أهل الإسلام من مُصيب ومخطئ.

قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (3)﴾ مذكورة في القرآن على وجه العاقبة في الدنيا كما في سورة الأعراف في قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا (4)﴾ إلى قوله ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (5)﴾ وقوله تعالى في سورة النحل: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ? فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (6)

(1) الأعراف: 133

(2) الروم: 41

(3) العنكبوت: 40

(4) الأعراف: 160

(5) الأعراف: 160

(6) النمل: 33 - 34

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ١٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ١٢٠