تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ينسب الفضل لصاحبه وهو الله فيحمده، وهو منزل المطر، ومهما أرجع الناس المطر إلى أسباب كونية فإن السؤال النبوي ما يزال قائمًا: ((فَمَنْ أَعْدَى الأَوَّلَ؟)) أي: من صاحب الفضل الأول بأن يكون كذا ليكون كذا؟ إنه الله، فله الحمدُ في الأولى والآخرة - سبحانه -.

ولكن الناس - لجهلهم - تحجبهم الظواهر فيعلقون عليها الحوادث، كما أنهم ينسون كما في حديث الأقرع والأبرص والأعمى، فإن الله لمَّا شفاهم وجمَّلهم وأعطاهم سؤلهم من النعيم فلم يشكر منهم إلا الأعمى وكفر الأبرص والأقرع، فرضي الله عن الأعمى وسخط على صاحبيه، فهذه من الفتن على الإنسان ولا ينجو منها إلا أهل الإيمان والشكر، والناس يظنون - لجهلهم - أن المفتونين من هؤلاء كقارون والأبرص والأقرع وصاحب الجنة المذكور في سورة الكهف ومن يقابلهم من الشاكرين على النعم كإبراهيم وداوود وسليمان والأعمى إنما أتاهم النعيم على غير وجه السنن الجارية في الأرض، وهذا وإن وقع بعضه لدوواد - عليه السلام - لكن المُلْك قد أُعْطِيه بعد أن قَتَل جالوت كما في قوله تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (1)

وقد وقع لسليمان خوارق خاصة به لدعائه - عليه السلام -: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ (2) فصار إلى ما صار إليه من حُكم الجن والشياطين والطيور كما ذكر في سورة النمل وصاد، ولكن لا تكون النعم للباقين إلا على وجه السُنَن، فالكافر يعلق حصول هذه النعم على قوته وعلمه، ولو صحَّ قوله هذا، وهو غير صحيح؛ لأن هناك غيره أكثر منه قوة وأبلغ منه علمًا لم يصل إلى ما وصل إليه، إنما هو التوفيق الإلهي، لكن لو صحَّ قوله هذا فإنه لو سأل نفسه من الذي خصه بهذا العلم وهذه القوة لعَلِم أن رحمة الله قد بَلَغته فوجب الحمد والشكر له - سبحانه وتعالى -، لكنه كِبْر الإنسان وغروره يُنسيانِه ذلك.

وكُفر قارون إنما هو كُفر النعم، وواقع هذا الكفر يكون بما وصف الله من حاله في سورة القَصَصْ حين قال له قال الله عنه: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ? وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ? قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي (3)﴾

فهذه مقوّمات هذا الكفر:

(1) البقرة: 251

(2) ص: 35

(3) القَصَصْ: 76 - 78

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ١١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ١١٦