يحب فإن الطريق مُمهَّد والسبيل مُبيَّن.
قوله تعالى: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ ? فَكُلا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (1)﴾
وهؤلاء أقوامٌ وأشخاصٌ مضى أمرهم على وجه القوة والغِنى والملك والوزارة، فاعتصموا بها ظانين أنها تمنعُ المرء في حياته، وتُغنيه عن الله والخضوع لأمره، فجَرَت حياتهم على معنى الطغيان والتكبر ورَدّ الحق الذي أتى به الأنبياء فجاءهم العذاب كما جاء للأمم السابقة، ولم يحصل لهم شيء من السبق والفرار من عذاب الله - سبحانه وتعالى -.
ومقدمة السورة كان فيها قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ وها هنا يقول - سبحانه وتعالى - في التمثيل لهذه الحقيقة القرآنية الكونية: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ إذْ لم تصنع لهم قوتهم ولا ملكهم ولا أموالهم ولا جنودًا قوة النجاة من عذاب الله - سبحانه وتعالى -.
وهذه الشخصيات الضالة الكافرة تنوع كفرها وإعراضها عن أمر الله تعالى، فقارون رجلٌ من بني إسرائيل كما قال تعالى في سورة القصص: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ (2) فمثالُه هو مثال الغني المستكبر الذي لا يرى نعمة الله عليه بل هو يقول: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ (3)، وهي دعوى الجاهلين ممن يظنون أن جريان السُنَن في الأرض لا يكون بإرادة الله في كل واحدة من أفرادها، وعالم الشهادة بما فيه من سُنن هي حجاب لمن لم يهتدي بنور القرآن وكلمات الله تعالى، فإن عالم الأسباب الذي أجراه الله بين الناس وأقام شواهده بينهم يحجب رؤية يد الله تعالى في جريان هذه السنن واضطرادها.
ولذلك قال رسولنا - صلى الله عليه وسلم - في صبيحة يومٍ بالحديبيّة وقد صلى بهم على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأمّا من قال: مُطِرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمنٌ بي، كافرٌ بالكواكب، وأمّا من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافرٌ بي، مؤمنٌ بالكواكب.
هذا مع أن النوء ليس سببًا شرعيًا ولا قدريًا للمطر، ولكن يفيد الحديث أن المؤمن هو من
(1) العنكبوت: 39 - 40
(2) القَصَصْ: 76
(3) القَصَصْ: 78