تَعْقِلُونَ (1)}
قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾؛ هذه حقيقةٌ قرآنيةٌ فريدة، وهي مبثوثة في كتاب الله في كشف نفوس المعارضين للحق، ووالله لو لم يختص أهل الإسلام إلا بهذا اليقين عما في نفوس خصومهم لكان في ذلك كفاية لهم، لكن أين قومي من هذا؟ هداية القرآن تكشف أن القوم يعلمون الحق في نفوسهم، وهم على بصيرة منه كما أن أهل الحق على بصيرة منه، ولكن إعراضهم عنه إنما لأسباب الهوى كما هو مذهب إمامهم الشيطان: ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (2)﴾؛ فهو إعراض العالِم بالحق لكنه يكرهه لخبثِ نفسه وسوء طَويّته وغلَبَة شيطانه عليه.
تأمّل تلك القصص التي تملأ زمانك اليوم وأنت ترى رجلًا يزعم أنه قد أتى بحقائق الوجود من قَرْنَيها ثم لمّا يخلو مع خلانه بان على حقيقةٍ لا خفاء فيها أنه أقذر الناس وأسفلهم سلوكًا ولفظًا، واسمع تلك القصص التي تملأ زمانك حين تأتيه امرأة لتسأله عن فِكْره وتستبين منه بعض معالِمه فلا يكون همه إلا أن ينال منها شهوته. ولذلك فبيئات هؤلاء القوم في سلوكها هي أحد وأقذر البيئات في جوفها وأسرارها، لكنهم فقط يتزيَّنون للحظات أمام الجهلة المساكين ممن يصدق أن القوم أهل فِكْرٍ وبحثٍ ونَظَر.
حقائق هؤلاء القوم أنهم وحوش مسعورة لا تراعي خلقًا ولا هداية ولا حقائق، فحيث بانت لهم مصلحة في قضاء وَطْر أو مصلحة منصب أو مال ركضوا إليه عرايا بلا رتوش أو سواتر، يعرف ذلك منهم أصحاب الأموال والمناصب؛ ولذلك هم يعلفونهم كما تعلف الدواب، ويشترون كلماتهم كما تُشترى المومِسات، فتلك تبيع عرضها وهذا يبيع كلمته.
هذه الحقيقة ليست قاصرة على قومٍ دون قوم من زاعمي الفكر الإنساني، أو أولئك الذين يزعمون نُّصرة الإنسانية من أجل تحررها وتنويرها، بل هي عامّة عموم كلمة كل في لغة العرب، والشقاء إنما يقع على المساكين الجهلة من الأتباع، وأشد منهم جُرمًا وغباءً هم من كان في الصف الإسلامي ويتعامل معهم تعامل الفكر المحترم الذي يدور مجال البحث فيه والنظر إليه بعلم واحترام.
إنهم يكرهون الحق وفقط، ولو أتَيتَهم من كلِّ حكمٍ شرعي لرأيتَ الكراهية فقط، فإن جئتهم من حكم الله في حرمة الزنا صرخ أهل العهر والدياثة: "أين الحريّة الإنسانية؟ " وإن جئتهم من حرمة الربا صرخَ اللصوص والسُرّاق: "أين الحريّة الاقتصادية؟ " وهكذا لا تجد إلا كراهيةً
(1) الأنبياء: 67
(2) البقرة: 34