المهتدين، فإن الله يقول: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ (1)﴾
ومن علامات ضلال أولئك الذين لا ينظرون إلى العاقبة السريعة في الأقوام أنهم أبعَدُ الناس عن الإيمان بالآخرة؛ ذلك لأن الناظر إلى هلاك الأمم وتبدُّلها، ووراثة كل قوم لقوم آخرين ليعلم أن اليوم الآخر آت، إذْ أن سُنّة الله في الجزء هي سُنّته في الكل.
قوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ (2)﴾ هذه حقيقةٌ قرآنية في تسمية كل أفكار البشر وتشريعاتهم وأعمالهم مهما تزَيَّت بزي العقلانية والتقدم والتفكير الإنساني العميق، فكلها تزيينٌ شيطاني، وهي سُبُل الغواية، يقابلها سبيل واحد هو سبيل الحق الذي جاء به الأنبياء. هم يُضْفون عليها ألقاب الاحترام والمهابة، ويقيمون لها شعائر التعظيم، وما هي إلا خبائث مستقذرة يَعرف حقائقها المهتدون بالقرآن، وهؤلاء المهتدون على مراتب، أعلاهم من يعرف تفاصيلها ومما يقابلها من حق في القرآن، وأدناهم من جهلها وهو كافر بها جملةً وجَهِل ما يقابلها في القرآن مع إيمانه الفطري العام، وهذا أدنى الإيمان، ولكن هؤلاء أعمق إيمانًا وأقل تكلفًا ممن يؤمن بالقرآن جملة ولا يعرف هدايته التفصيلية ولكنه يؤمن ببعض ضلالات القوم ظانًا أنها حق وصواب، وهؤلاء مخانيث الفكر قديمًا وحديثًا، وفي زماننا هم الأكفر والأعلى صوتًا في الصف الإسلامي.
هداية القرآن الكريم تذهب إلى الحقيقة بلا تزوير، فما يسمونه - كذبًا - فِكرًا إنسانيًا، أو سلوكًا حضاريًا، يسميه القرآن إيحاءً شيطانيًا: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ (3)﴾ نعم، هو مزخرف ككل البضاعات التي يريدها الشيطان من الإنسان وهي باطلة، لكنها باطلة، وأمّا سلوكهم الحضاري فهو رجس وخبث وتزيينُ شيطان، بل هي أدنى من البهيمية كما قال القرآن عنهم: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾
وهداية القرآن تجعل مصادر هذه الأفكار وهذه الأعمال إنما هي الشهوة دون البصيرة والهداية، وهم يأنفون هذا التصريح الحق، بل يُطالبون أن يعامَلوا معاملة الفكر بالفكر حتى لو قلبوا أعظم الحقائق وجودًا كما يفعل اليوم جند الشيطان من تشريع إتيان الذكران وحلّ الربا وإباحة الزنا وغيرها من شرائع الشيطان القبيحة، ثم يقال بين الناس هذه آراء وعلى المخالف أن يناقشها حين يخالفها لكن يجب أن يحترمها؛ {أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا
(1) الأنعام: 44
(2) النمل: 24
(3) الأنعام: 112