تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الصَّيْحَةُ (1)} وهي مذكورة في الحجر: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ الصَّيْحَةُ (2)﴾ وذلك أن سلَّط الله عليهم الحر الشديد فأنشأ الله لهم سحابة فاستظلوا بها فصارت نارًا عليهم فهذا يوم الظُّلَّة، ثم جاءتهم صيحة عظيمة فجَّرت قلوبهم، ثم جاءهم العذاب بالخسف والزلزال، ولمَّا حصل هذا من تجمُّعِهم تحت السحابة وتوالي العذاب صار بعضهم فوق بعض كما قال تعالى: ﴿جَاثِمِينَ﴾ أي: تَجْثُم جثثهم فوق بعضها البعض.

قوله تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (3)﴾؛ وقصص هذين القومين مع أنبيائهم مذكورة في كتاب الله تعالى، فعاد نبيُّهم هود - عليه السلام -، وثمود نبيهم صالح - عليه السلام -، وقد عَلِمت العرب مساكنهم، فكان ذكرهم داخلًا في أمرين، أولاهما الاعتبار بحالهم، بكفرهم ومعصيتهم الرسل، وبأن ما أمر الله المعتبرين في السَيْر في الأرض للنظر في العواقب إنما لبقاء شواهد هؤلاء الأقوام، فهذا قوله تعالى: ﴿وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ﴾ فإن ذهابهم وبقاء المساكِن من بعدهم لم تُسكَن دلَّ على سُنّة الله مع المعرضين عن دعوة الأنبياء.

والناس اليوم يذهبون في البحث في الرُقُم والرسوم القديمة كل مذهب إلا مذهب الحق في الاعتبار أن بقاء الأُمم إنما بقيمها، وأن الأمم تزول لفساد قيمها، وهذا الجانب المهم في النظر إلى الآثار لا يشغل الباحثين اليوم، بل هم مشغولون بالظواهر عن حكمة بقائها ووجودها؛ وكل ذلك من جهل الإنسان وعدم اعتباره، ثم يأتي من يزعم أن هذا هو العلم وأن موعظة الأنبياء بهذه الديار هي مواعظ خُلُقية دينية ولا يحق لها الانتساب للعلم، مع أن هذا الغرور بانتهاء التاريخ وتوقُّف الهلاك وإبادة الأُمم وحضاراتها هو داء الأمم قديمًا، فما من أمة إلا وظنت أنها باقيةٌ دائمة، وأن وجودها هو نهاية التاريخ، فهذه سبل الشيطان التي سلكها مع الأوائل هي عينها التي يسلكها مع الناس اليوم، ثم هم يزعمون أنهم أهل فِكْر ونَظَر، وأهل تقدم علمي لم يبلغ شأوه الأقدمون، والذي غرَّهم ما بسط الله لهم من بعض معارف سُنَن الوجود، فبدل شكر الله ذهبوا في تفسير هذا الاكتشاف أنه صناعةٌ لهم، وكأنهم هم من خَلَق هذه السُنَن، فالغرور فيهم كالغرور في آبائهم ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ (4)﴾، فهكذا كل أُمَّةٍ تَزعمُ أن لها خصوصية الوجود مما يصرفها عن الخوف من العاقبة، وهذا بخلاف المهتدين، فإن الفاروق عُمَر - رضي الله عنه - لمَّا رأى النِعم تنهال عليه خاف وبكى، وهذا من فقه

(1) هود: 67

(2) الحجر: 83

(3) العنكبوت: 38

(4) هود: 109

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ١١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ١١١