تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (1)﴾ لرأينا الفارق بين من يرى المعاصي ويشهد قبح وسفالة العُصاة وبين من يسمع بها من بعد، ولذلك قال المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: ((ليس السامع كالمعاين))؛ وقصة موسى - عليه السلام - في إلقاء الألواح تشهد لهذا، فإن الله أخبره عن صنيع قومه من اتخاذ العجل، لكنه لما رأى جرمهم ألقى الألواح لشدة غضبه، فمُشاهِد الفعل ليس كسامعه.

قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا أَن جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا (2)﴾ آية عظيمة، إذْ ظن لوط - عليه السلام - أن هؤلاء القوم بلاء عليه، وسيكون وجودهم سببُ مشقة كما قال هو: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (3)﴾ لكن هذا البلاء المظنون كان هو النجاة، وهكذا يخرج النصر من البلاء، وتكون النجاة من رَحِم المعاناة، فما يظنّه الناس شرًا يكون خيرًا كما قال تعالى عن حادثة الإفك: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ (4)﴾، وقال عن القتال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ (5)﴾؛ وكم من أمرٍ ظاهره المصيبة ثم لمّا انقشع على خاتمته رأى فيه أهله أنه الخير لهم، ومَنْ تأمّل قصة يوسف - عليه السلام - رأى هذا جليًا، فقد بكى يعقوب ابنه حتى عَمِي، ثم لمّا كانت الخاتمة كان ما شكى منه هو سبب الرحمة والرفقة والملك.

النصر مع أهل الحق محيط بهم في كل لحظة، ومَعيّة الله معهم، فلا يعني أن أصوات الباطل حين ترتفع أن قُضي الأمر لها، أو أن الله تخلّى عن عبيده، بل هي فترة تجري فيها حكمة الله لأمرٍ يريده، يمتحن فيها المؤمن، وتثبت الحجة على الكافر، وتتعطش النفوس ظمأى إلى النصر، حتى إذا جاء سجد المؤمنون شكرًا، وابتلَّت النفوس التي جَفَّت لهول المعاناة والمحنة، فرفعوا رؤوسهم إلى السماء شاكرين حامدين، ونسبوا الفضل كله لله: "وَهَزَمَ الْأَحْزَاب وَحْده." فجلَّت حكمة الله تعالى أن يبلغ كُنْهها عبيده الضعفاء المساكين.

قوله تعالى: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ ذلك بما أمروه به وهو أن يخرج مع أهله في الليل تاركًا القرية وراءه، وأمروه أن لا يلتفت وراءه كما قال تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (6)﴾ فكان نجاته بالخروج إلى حيث أُمِر: ﴿حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (7)﴾

(1) هود: 81

(2) هود: 77

(3) هود: 77

(4) النور: 11

(5) البقرة: 216

(6) هود: 81

(7) الحجر: 65

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ١١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ١١٠