وجريمتهم هذه تحوي هذه الصفات السيئة فكانت لائقة بهم.
وفي سورٍ أخرى ذَكَر لهم أوصاف أخرى، ففي الأعراف ذكر لهم وصفان قوله تعالى: ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ (1)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (2)﴾، وفي سورة النمل قال الله عنهم على لسان لوط - عليه السلام -: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْم تَجْهَلُونَ (3)﴾ ولا أعلم في القرآن قومًا بَلَغَت أوصافهم هذا المبلَغ؛ وذلك لعظيم هذا الفعل وقُبْحه عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ﴾ إنما وَقَع بعد جداله - عليه السلام - مع قومه لمّا جاؤوا يطلبون الضيفان كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ ? قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ ? قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ? قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ (4)﴾ وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((نحن أحقُّ بالشك من إبراهيم إذْ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (5) ويرحم الله لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثتُ في السجن طول ما لبثَ يوسف لأجبتُ الداعي)).
ولوط - عليه السلام - إنما قال ما قال لغضبه الشديد على قومه فذُهل عما فيه، وهكذا المؤمن العامل لدين الله تعالى يكون نصر الله بحذائه ويتبعه، لكن شدة المحن والمعوقات قد تذهله عن ذلك، فهو محتاج إلى التذكير والاتعاظ واصطحاب الصالحين الذين يُذكرونه بعاقبة الصابرين، كما عليه مداومة قراءة القرآن فإنها أعظم المدد في ذلك، والناس إنما يسقطون حين يسقطون لفراغ قلوبهم من رؤية الله أنها معهم وأن نصر الله آت، لكن حكمة الله تعالى لها قدرها وميعادها، وها هي تأتي للوط - عليه السلام - عندما يبلغ الأمر منتهاه وقمَّته، وتبلغ وقاحة القوم مبلغها فتنقطع أعذارهم عند أنفسهم وعند غيرهم، ولو تأملنا حال إبراهيم - عليه السلام - مع الملائكة وهو يجادلهم في قوم لوط، والله يصفها في هذا الموقف بقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ﴾ فصفَُته الحلم - عليه السلام -، وقارنّاها مع حال لوط الذي يستعجل لهم العذاب كما ترد عليه الملائكة بعد أن قالوا له: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ (6)﴾ فكأن لوط استبطأ الصبح ورآهُ بعيدًا فقالوا له:
(1) الأعراف: 81
(2) الأعراف: 84
(3) النمل: 55
(4) هود: 78 - 81
(5) البقرة: 260
(6) هود: 81