نبينا مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم -، وقد قال به ذو القرنين لمَّا بلغ مغرب الشمس قال الله تعالى عنه: ﴿وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ? قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا ? وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (1)﴾ فكان المستحق لعذاب الله لفعل من الأفعال في الآخرة، أو جرى العذاب على أمثاله من السابقين هو مستحق للعذاب على أيدي المؤمنين بهذا العذاب؛ ولذلك قال عن الظالم: ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ﴾، والتفكّر في هذا يبطل مقاصد المُبتدعة اليوم ممن يريدون للمؤمنين الاقتصار على التذكير والكلمة دون مجازاة المؤمن بإيمانه والظالم بظلمه فإنه إن وقع هذا عَمَّ الفساد في الأرض وهو سبب غضب الله وعذابه على القرى جميعًا كما قال - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشكَ أن يعمهم الله بعقاب منه))، وهذا مأخوذٌ من قوله تعالى في سورة هود: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (2)﴾
لقد عانى لوط - عليه السلام - مع قومه في نهيهم عن هذه الجريمة حتى كان منه أن دعى الله تعالى بقوله: ﴿رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ وهذا مما اختص هذا الموطن من القرآن بذكره عن لوط، إذْ لم يذكر عنه أنه دعى على قومه إلا هنا. وكان له محنة أخرى هي محنته مع زوجته التي خانته كما قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (3)﴾ وهذه في سورة التحريم التي فيها تهديد الله لنساء النبي - صلى الله عليه وسلم - بوجوب طاعته وإلا كان الطلاق كما قال تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ (4)﴾ وهذه تضاف إلى مِحْنة المؤمن، فإن إعراض أهل الداعي عن دعوته ودخولهم في مسالك المجرمين يَشقُّ عليه ويُتْعبه، والواجب التذكير أن خيانة امرأة نوح ولوط كان في معصيتهما فيما يدعوان إليه، لا في الزنا، فإنه ما بَغَت امرأة نبي قط كما قال ابن عباس - رضي الله عنهم -.
وفي هذا الموطن من قصة لوط تعدد وصف فاحشتهم المنكرة فهم:
1. مفسدون، كما قال تعالى على لسان لوط - عليه السلام -: ﴿رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾
2. ظالمون، كما قالت الملائكة للخليل - عليه السلام -: ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾
3. فاسقون، كما قالت الملائكة للوط - عليه السلام -: ﴿إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾
(1) الكهف: 86 - 88
(2) هود: 117
(3) التحريم: 10
(4) التحريم: 5