الصبح فجاءهم العذاب وقت الشروق. فهكذا توالى عليهم العذاب من العمى ثم الصيحة ثم الخسف ثم الرمي بحجارة النار؛ وذلك لعِظَم الجُرم الذي أَتَوه، وقد تقدم أن الله - جلَّ في علاه - لم يذكر في قصة لوط في القرآن أمرًا يتعلق بالشرك قد نُهوا عنه، ومن رأى هذا عَلِم أن هذه الجرائم الخُلُقية حين تَفْشو في الناس ويتجاهرون بها ويتمالؤون عليها يكون عذابها أشد من غيرها، ولذلك مما ذكر من خصوصية قصة لوط في القرآن أنها هي القصة الوحيدة التي عقَّب الله عليها بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (1)﴾ وهم أهل البصيرة والنظر كما أنهم أهل الفراسة كما فسرها بعض أهل العلم.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (2)﴾ يحتمل المعنيين:
1. العبرة بالقصة وقراءتها والعلم بها.
2. والقول الآخر وهو أنها آية باقية يراها الناس ويشاهدونها، ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى في سورة الحجر: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ (3)﴾ وقوله تعالى في سورة الصافات: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ ? وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (4)﴾ فهي آية كان المخاطَبون بالقرآن عند نزولها يعرفونها ويشاهدونها.
دعوة على تذكير مضى يبين العبرة من القصة القرآنية على الوجه الصحيح، وهو أن قريش لا يعرف عنها هذه الجريمة الخُلُقية قط، لكن فيهم جرائم أخرى مذكورة في أماكنها، ومع ذلك هم مخاطبون بهذا التحذير وهذا الوعيد؛ لأن القصد هو بيان عاقبة المعاصي التي حذَّر منها الأنبياء، وهذا يقع بالتمثيل كما هو معلوم.
ثم هناك أمراً آخر يبيّن منهج الصحابة في الاستدلال، وهو أن ابن عباس - رضي الله عنهم - استدل على عقوبة اللواط بما فعله الله بقوم لوط - عليه السلام -، ومنه فرَّع بعض أهل الأصول باب الاستدلال بأفعال الله تعالى، ولذلك لمَّا ذكر الله تعالى جريمة الربا قال سبحانه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (5)﴾ فهناك فعلٌ للرب ضدَّ المعاصي وهناك فعلٌ للمؤمنين، فلما كانت أفعال الله في عباده هي العدل كان المؤمن مأمورًا بإتيانها إلا ما اختصَّ الله به نفسه، كالتعذيب بالنار فإنه مَنْهي عنه إلا على وجه المُجازاة بالمثل عند بعض أهل العلم، وهذا الحكم قديم قبل
(1) الحجر: 75
(2) العنكبوت: 35
(3) الحجر: 76
(4) الصافات: 137 - 138
(5) البقرة: 279