أن هلاك القرية وأهلها سيلحق لوطًا وأهله، فأعْلَمتهُ الملائكة بقصدها: ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ﴾
وفيها كذلك تفصيل ذِكْر معاصي قوم لوط، فإن المواطن الأخرى في القرآن تُنبؤ عن جريمة إتيان الذكران، وأمّا هنا ففيها تفاصيل أخرى، هي قطعُ السبيل وإتيان المنكر في النوادي جَهْرة. واختلف أهل العلم في معنى المنكر الذي كانوا يأتونه في ناديهم، وتنكيره في القرآن من غير بيان يجعل التحذير أشد في كل من أتى المنكرات جهرًا، ويشتد الأمر حين يتواطأ عليها قوم من الأقوام، فهاتان حالتان يَعظمُ فيهما المنكر ويُقرب عذاب الله وسخطه:
1. أمّا الأول فهو: الجهر بالمعاصي.
2. والثاني هو: التواطؤ عليها.
وفي كُلٍّ منهما جاءت أحاديث تُبيِّن عِظَم هذين الجُرمين.
وأمرٌ آخر اختصَّ به هذا الموضع من قصة لوط - عليه السلام - هو تحديهم له بنزول العذاب وذلك في قوله تعالى عنهم: ﴿إائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فإن طلبهم هذا لم يُذكر إلا هنا من كتاب الله تعالى، وهذا الطلب يكاد يكون قدرًا مشترَكًا بين الجاهلين، والمرء يعجب من هذا السَّفه في أهل الإعراض، لكنها الغفلة، وطيش الشهوة وتمكُّنها من أصحابها حتى تجعلهم يستهزؤون بعذاب الله تعالى كما يصنع وُرَّاثهم اليوم من الاستهزاء بالنار وعذابها والله يقول: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ مع أن الواحد منهم لو أصابه بعض الألم في جسمه لخَارَ كما يخور الثور، ولملأ الدنيا صراخًا.
قوله تعالى: ﴿رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء﴾ جاء تفصيله في آيات آخرى وهو قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ ? مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ (1)﴾ وقد سبق هذا أن جاءتهم الصَيْحة كما قال تعالى في سورة الحجر: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ ? فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ (2)﴾ وهذا العذاب لم يُبعد منهم أحدًا كما قال تعالى في سورة القمر: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ (3)﴾ وقبل كل هذا لمَّا راوَده عن ضيفه من الملائكة أن طمس الله أعينهم فأعماهم كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (4)﴾ وامتدت عماهم من الليل حتى كان
(1) هود: 82 - 83
(2) الحجر: 73 - 74
(3) القمر: 34
(4) القمر: 37