وكيف يفعله من له عقلٌ يُميُّز به بين ما هو فطري وما هو شيطاني خبيث؟!
لقد سرى هذا الجرم في قوم لوط، وهو ككل ظاهرة قد يبدأ بواحد يوحي له الشيطان شرًا، أو هو لخبثه يوحيه إلى أوليائه ثم استحسنه الناس بأمزجتهم وأهوائهم حتى صار دينًا يُتّبع بينهم، ومن أنكره عليهم هو المُستَنكَر الغريب، ولذلك صرخوا في لوط: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ (1)
ومن عجائب قولهم أن جعلوا علة الإخراج هو قولهم: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (2) وهم بجوابهم هذا في غير هذه السورة وبجوابهم هنا: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ لم يجتمعوا بالآباء ولا بالأجداد كسائر الأقوام، ولا تساءلوا أي تساؤل مع لوط على وجه الحِجَاج والمناظرة، بل ذهبوا مباشرة إلى قرارهم بطلب إخراج قوم لوط من القرية، أو تحدِّيه أن يأتيهم العذاب على جرمهم.
في سورة هود كان عندهم حُجة واحدة ولوط - عليه السلام - يعرض عليهم إتيان النساء بدل الرجال إن اشتدت غُمَّتهم وأرادوا قضاء شهواتهم، فقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَالَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ (3)، فهم قومٌ يحترمون القوانين والدساتير التي أفرزتها ضلالات أهوائهم، فاحتكموا إليها على وجه العدل المزعوم، وقالوا على وجه تطبيق التشريعات المتفق عليها بينهم: ﴿مَالَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾؛ فلذلك هم أهل حق وإنصاف، والحكم في ذلك ما تمالؤوا عليه، بل هم أشد إنصافًا من مُشرِّعي الشرك اليوم، إذْ لم يَحتَجُّوا عليه بأن الجهل بالقانون ليس عذرًا في تطبيقه، بل قالوا له: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ وهكذا حَسَموا القضية أنه قد بُلِّغ وسيجري عليه الحكم.
سياق قصة لوط - عليه السلام - مع قومه هي لبيان العاقبة لِمن أعرض عن موعظة الأنبياء، وكيف يُنجِّي الله أنبياءه من بين قومهم إذا جاء أمر الله تعالى.
وها هنا قصة لوط انفردت عن بقية المواطن في القرآن في تفصيل ما ذكره الله مُجملًا في سورة هود حيث قال - سبحانه وتعالى -: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ ? إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ ? يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (4)﴾ فالذي جادل في الخليل هو قوله هنا: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطاً﴾ (5) إذْ ظن الخليل
(1) النمل: 56
(2) النمل: 56
(3) هود: 79
(4) هود: 74 - 76
(5) العنكبوت: 32