﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا ? فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (1)﴾، وقوله تعالى في سورة مريم: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ? فإِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (2)﴾، فدلَّ أن مجرد الانتساب لإبراهيم - عليه السلام - حتى لو كان على وجه النسب الأبوي لا ينفع إلا إن حمل الوارث ما حُمَّل من دين وتقوى.
قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ يحتمل معاني، منها ما قال الله - سبحانه وتعالى - عنه في دعائه: ﴿وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ (3) فهو ممدوح على كل لسان - عليه السلام -، وتحتمل ما أُعطي من النعم، إذْ دلت آيات القرآن على قدرته إطعام الضيفان أفضل الطعام من مال أهله دون أن يضطر إلى الذهاب إلى بيت غيره كما قال تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ (4) وهذا يدلُّ على غِناه - عليه السلام -، وأما قَصْر معناها على الولد فليس بحَسَن؛ لأنها تكون تأكيدًا لِما سبق والتأسيس أَوْلى من التأكيد - كما يُعلم -.
قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ ? أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ? قَالَ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ ? وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ ? قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ? وَلَمَّا أَن جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ? إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ? وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5)﴾
تقدم نموذجان لوقائع متعددة من الابتلاء والمحن الواقعة على الأنبياء، وفيها من العلوم التي يحتاجها العامل لدين الله تعالى مما تقدم ذكره، وحيث ذُكر لوط - عليه السلام - في سياق أحوال إبراهيم - عليه السلام -، إذْ هو المؤمن الوحيد لهذا النبي العظيم من قومه فكان أن أكرم الله هذا المؤمن الذي تفرَّد بالاستجابة أن صار رسولًا نبيًا إلى قومه، وهم قوم بُهت وسَفَالة في إتيان فعلٍ لم تأِت به أمة من الأمم قبلهم، فهو من صناعتهم وتشريعاتهم الباطلة، وهو الفعل الذي قال فيه بعض العاقلين: لولا ذكره في القرآن ما صدَّقتُ أن أحدًا يفعله.
(1) النساء: 54 - 55
(2) مريم: 59 - 60
(3) الشعراء: 84
(4) الذاريات: 26
(5) العنكبوت:28 - 35