تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بعد أن رزق الولد الحبيب إسماعيل بعد طول انتظار يأمره الله تعالى بذبحه، فصدق ربنا وهو يقول عن ذلك: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ (1)

فليس الابتلاء مرحلة تأتي ثم تمضي بلا عودة، بل إن البركة في أمر من الأمور لا يكون حتى يستحقه الأمر على وجه الحق وهو أن يؤدي عبادة الصبر على المحن والابتلاء، فلا تظن أنه بمجرد خروج الخليل من بين قومه قد انهالَت عليه كل العطايا وجلس فقط يعدها ويحمد الله عليها؛ إذْ أن ما فيها عنه إنما هو الدعاء عقب الدعاء على كل أمر يريده ويحبه لنفسه من خيري الدنيا والآخرة.

كما مَضَت حياته صبرًا على كل ابتلاء بين قومه وعند الخروج عنهم، وما حدث له مع طواغيت الأرض عندما أرادوا زوجهُ منه - كما في الحديث -، وعندما أمره الله أن يضع زوجته وابنه الوليد في أرض غير زرع، ثم أمره بذبح ابنه، وهكذا لم يبلغ الخليل مبلغ الخُلّة هذه حتى امتُحن في كل جوانب البلاء البشري، فاستحق مقام الإمامة كما قال تعالى لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (2)

ومن تأمّل قصة إبراهيم - عليه السلام - في القرآن رأى أن لها فَرَادة الحديث عن بقية قصص الأنبياء، فإن قصة إبراهيم جامعة للحديث عن موقفه مع قومه وهذا يشترك فيها مع قصص الأنبياء الآخرين - عليهم السلام -، لكن ما يفترق عنهم أن القرآن يُسهِب في الحديث عن شخص إبراهيم وأحواله مع نفسه وأهله ودعائه، فهو أبو الأنبياء وأبو نبينا الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، فكأن ملة الإسلام قد ابتدأت به، ولذلك يقول المستفتح ليومه: أصبحتُ على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم -، وملة أبينا إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين. ولهذا كانت أحواله - عليه السلام - كاشفة لحقيقة الشخصية القرآنية المهتدية في جوانبها الذاتية والتعبدية.

ثم يأتي في المرتبة الثانية في هذا الباب موسى - عليه السلام - وإن كانت أحواله مع بني إسرائيل أكثر تفصيلًا، لأن واقعه هو أقرب إلى ما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصلى الله على جميع الأنبياء والمرسلين.

قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ مُقيَّد بما ذكر من أحوال الوارثين من ذريته بعد أبنائه الأقربين فقال تعالى في سورة الحديد: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (3)﴾، وبقوله تعالى في سورة النساء:

(1) الصافات: 106

(2) النحل: 123

(3) الحديد: 26

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ١٠٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ١٠٣