تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (1)، هذه هي عاقبة الإيمان والهجرة تقع على إبراهيم الخليل - عليه السلام -، إذْ يُبسط له في الولد، ثم نَسْل هذا الولد، إذْ إسحاق هو ابنه، ويعقوب هو ابن إسحاق - عليهم السلام -؛ ذلك بأن المرء إنما يخاف الهجرة لأمور، منها انقطاع النسب بينه وبين أهله كأمه وأبيه، فيغدو كأنه وحيد لا ضرر له، فجاء مَنّ الله تعالى على إبراهيم - عليه السلام - بأن صار أُمَّةً لوحده، وأُمَّة يؤتم إليها وينسب إليها، فلم يعد فرعًا لآخرين بل صار نسبًا لغيره، تعظيمًا له، وتشريفًا لمكانه، وكم من التالين من المؤمنين الذي وقع لهم هذا، حيث ساحوا في الأرض سياحة المؤمن المهاجر إلى الله، فصاروا إلى أرض هجرة أئمة ونسبًا تؤوي الفروع إليهم، إذْ لا يسأل الناس عما بعدهم، بل يكفي الأنبياء أن يقولوا نحن أبناء فلان، فيتم النسب ويحصل الفخر وتنتهي نفوس السائلين إليهم.

وهذا الذي ذكره الله هنا عن الذرية مذكور في مواطن متعددة في القرآن، وفوائد أخرى، كما هو مذكور في سورة الأنبياء في قوله تعالى عن هذه الذرية: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ (2)، وقد سمّاهم الله هناك بقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ (3) أي: جعل الله أبناء الأنبياء نافلة، عطية منه بدون سؤال؛ لأن الخليل سأل الله بقوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (4)، فجاءه - عليه السلام - ما طلب وزيادة.

وأبناؤه إسماعيل - وهو الذبيح - وإسحاق إنما رُزق بهما على الكبر كما قال تعالى في سورة إبراهيم: ﴿الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَر إِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق إِنَّ رَبِّي لَسَمِيع الدُّعَاء﴾ (5)؛ فهذه سُنّة الله مع إبراهيم الخليل، تجري من حال إلى حال، ومن موقف إلى موقف، إذْ لا يقع له الوعد إلا بعد امتحان شاق وطول زمان، فلا ييأس، ولا يتردد، بل يمضي إلى ربه ثابتًا مؤمنًا، لكن العاقبة له وللصابرين.

ولو تأمّلتَ حياة إبراهيم - عليه السلام - وما فيها من مواقف لعَلِمتَ معنى أن يكون المرء عبدًا لله، ولعَلِمتَ معنى أن يجعلك الله للناس إمامًا، فقد ابتُلي إبراهيم الخليل - عليه السلام - في كل موقف، حتى

(1) العنكبوت: 27

(2) الأنبياء: 73

(3) الأنبياء: 72

(4) الصافات: 100

(5) إبراهيم: 39

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ١٠٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ١٠٢