كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ (1)
قوله تعالى ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ فهكذا حين يكون الإقبال على الإيمان قليلًا تكون عزة الإيمان، فليس من بضائع البشر، بل هو الحق الذي أراده الله العزيز لعباده، فلمَّا لم يؤمن إلا رجل واحد كان له ذِكْرٌ باسمه تعظيمًا له، ولم يكن هذا لضعف الإيمان أو مهانته، بل من يلتحق به يحصل له شرف الانتساب إليه.
﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ والهجرة كما هي خروج عن بلاء البقاء بين قوم معرضين، هي كذلك امتحان وابتلاء، لكنها هجرة إلى الله، وذهاب إليه كما في سورة الصافات.
أمّا مهاجر إبراهيم - عليه السلام - فإنها الشام كما في الحديث الذي رواه أبو داوود عن عبدالله بن عمرو قال سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((ستكون هجرة بعد هجرة، فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلا تلفظهم آضوهم، تقذرهم نفس الله، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير)) ولابن رجب تخريجٌ لهذا الحديث في فضائل الشام فانظره.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ذلك بأن المُهاجر ضعيف، خالٍ من قدرته، ولكنه ذاهبٌ إلى الله، والله عزيز لا ينال منه أحد من خلقه، بل هو القادر عليهم، فالذهاب إلى العزيز مع الضعف عزة، والذهاب إلى العزيز مع العجز مَنَعَة، وهو - سبحانه - حكيم يُقدر لِما أمر من الخيرات ما لا يعرفه الناس، فإن حكمته أعظم من أن يحيط بها الجاهلون ولذلك ينكرون أمره لجهلهم، وأما المؤمن فإنه يثق بكلمات الله وقدرته في أن يجري الخير والنعيم على من امتثل أمره حتى لو لم يعلم كيفية ذلك.
وهكذا لو وقع مع الخليل - عليه السلام - من الخير العظيم بعد الهجرة، وغرَّ جانبه حتى قال الله عنه وعن نبيه كما في سورة صاد: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ (2) فجمع الله لهم قوة العلم وقوة الجانب، وهذا أقصى الفضل وأعظمه، وهو كذلك كما سيأتي في الآية التالية من إعطائه الأجر الدنيوي من الغِنى والقوة والمهابة وحسن الصيت.
(1) مريم: 49
(2) ص: 45