تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الرحمنِ لَمَا نجَوا من العذابِ النازلِ، على ما دلَّ عليهِ قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥].

﴿وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ الغلظُ كنايةٌ عن الشدةِ.

والتنكيرُ في ﴿عَذَابٍ﴾ و(رحمةٍ) للتعظيمِ، أخبرَ أولًا بأن الإيمان الذي وفِّقوا له صارَ سببَ إنجائهم، ثم أخبرَ بأن ذلك الإنجاءَ كان من عذابٍ أيِّ عذابٍ؛ دلالةً على كمال الامتنانِ، وتحريضًا على الإيمانِ.

أو هما متغايران: فالأولُ إنجاء الدُّنيا، والثاني إنجاءُ الآخرةِ.

والأولُ أوفقُ لمقتضى المقامِ، وعلى الوجهِ الأول أيضًا لا تكريرَ، ومَن غفَلَ عن هذا قالَ: تكرير لبيانِ ما نجَّاهم عنهُ.

* * *

(٥٩) - ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾.

﴿وَتِلْكَ عَادٌ﴾ الإشارةُ إلى مصارعِهم وآثارهم؛ حثًّا على الاعتبارِ بهم، وإحضارًا لهم كأنهم مشاهَدُون بما يعايَن من الآثارِ، وفي الإتيان باسم الإشارةِ وبما يدل على البعدِ تهويلٌ وتفخيمٌ لما نزلَ بهم، لا تعظيمٌ لشأنهم أو تحقيرٌ.

﴿جَحَدُوا بِآيَاتِ﴾ استئنافٌ لبيان الوصفِ الذي استوجَبوا به العذابَ، وإنما قال:

﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ ولم يرسِل إليهم غيرَ هودٍ عليه السلام؛ لأن الأنبياءَ كلَّهم دعوا إلى التوحيدِ والإسلام متوافقين، وصدَّقَ بعضهم بعضًا، فإذا عصوا واحدًا منهم فقد عصَوا كلَّهم.

تفسير ابن كمال باشا · الجزء ٥ · الصفحة ١٧٦

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير ابن كمال باشاج ٥ · ص ١٧٦