تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويجوز أن يكون المرادُ من (الحق) في الموضعين واحدًا، ويكون إعادة صريحِ الحق دون ضميره لأنهم يكرِّرون أسماء الأجناس والأعلام كثيرًا، ولا سيَّما إذا قصدوا التفخيم، صرَّح به الإمامُ المرزوقيُّ (١) والشيخُ عبدُ القاهر.

وعلى ذلك وردَ قوله تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥] وقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١].

وحينئذٍ يجوز أن يكون النهيُ عن الجمع؛ لأنَّ الخلط بالباطل قد يكون لترويج الحق وإسماعه، فإنَّ أسماع العوامِّ يَمُجُّون عن الحق الصرف لأنَّه مرٌّ، فخلطُ الباطلِ الحلوِ به لئلا يَنفرَ (٢) عنه طبع السامع ليس مما يُنكَر كلَّ الإنكار، فإنَّ الضرر اليسيرَ قد يُتحمل للنفع الكثير، ومثلُ هذه الرخصة ترغيبًا للمخاطَب إلى الاستماع من مقتضياتِ البلاغة ومُوجبات الخطابة (٣).

ألَا ترى قولَه تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] كيف سُرد فيه المقال على إبهام الحال، وإظهارِ التردُّد فيه توسعةً لدائرة الاحتمال.

وفي مصحف ابن مسعود رضي الله عنه: (وتكتمون) (٤)، وهو في موضع الرفع على حذف المبتدأ؛ أي: وأنتم تكتمون.

﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ في محل النصب بالحال؛ أي: في حال عِلمكم بذلك وبقبحه، وإنما قيِّد به لأن الجهل ربما يُغتفرُ ويُجعلُ عذرًا، فعلى هذا يكون الحذفُ اختصارًا ورعايةً للفاصلة.

(١) انظر: "شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي (ص: ٢٩ و٨٨ و٧٨٤).

(٢) في "د": (ينبو).

(٣) في النسخ عدا "د": (الخطاب)، والمثبت من "د".

(٤) انظر: "الكشاف" (١/ ١٣٣).

تفسير ابن كمال باشا · الجزء ١ · الصفحة ١٦٦

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير ابن كمال باشاج ١ · ص ١٦٦