تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي وجه هذا الجوابِ من الحُسن ما يبهر الألباب، حيث قدَّموا بين يديه تنزيهَ الله تعالي، ثم اعترفوا بالجهل، ثم نَسبوا العلم لله تعالى، وأَردفوا صفةَ العلم صفةَ الحكمة، إذ بان لهم وصفُ الحكمة في قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، وقدَّموا وصف العلم لأن الذي ظهرت به المزيَّةُ لآدم هو العلم، ولأن الحكمة من آثاره.

﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ سلبٌ للعلم والحكمة عن أنفسهم بقَصْرهما عليه، وإنَّما قصَروهما عليه بتوسيط الضمير، وإيرادِ اللام وصدَّروا الجملة بـ (إنَّ) التوكيديِّ الرافعِ للشكِّ والإنكار؛ لإيهام كلامهم بأن استخلافَ آدمَ على خلافِ مقتضى العلم والحكمة، ودعواهم العلمَ لأنفسهم، وشكِّهم في استحقاقه وإنكاره لمزيَّته (١) عليهم، فرجعوا عن ذلك وأقرُّوا بأنَّ ماهيةَ العلم والحكمة مخصوصةٌ به دون غيره، وأنَّه محقَّق عندهم.

و(الحكيم) فعيلٌ بمعنى مُفْعِلٍ؛ أي: محكِمٌ لمبدَعاته، وذلك لأنَّه لا يفعل إلا ما فيه حكمةٌ بالغة.

(٣٣) - ﴿قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.

﴿قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ ناداه باسمه العَلَمِ، وكذا سائرُ الأنبياء عليهم السلام، وهو خطابُ تعريفٍ، ونادى محمدًا عليه السلام: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأنفال: ٦٤] و: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٤١] وهو خطاب تشريف، فانظر تفاوتَ ما بين النداءَين (٢)،

(١) في النسخ عدا "د": (بمزيته)، والمثبت من "د". ولعل الصواب: (وإنكارهم لمزيته).

(٢) في "ف": "الخطابين".

تفسير ابن كمال باشا · الجزء ١ · الصفحة ١٤٣

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير ابن كمال باشاج ١ · ص ١٤٣