وعلى كلا الحالين لا بد من الكلام على هذه الآية، سواءً كانت منسوخة أو ليست منسوخة لبيان الحكم المترتب على ذلك؛ لأننا لو قلنا بالنسخ في هذه الآية فليس لنا أن نقول: بنسخ جميع أحكامها؛ لأن هذه الآية تتضمن تربص المرأة حولاً كاملاً بعد وفاة زوجها في بيته، وليس هذا الإحداد، لأن الإحداد أربعة أشهر وعشراً، ولكن المراد بذلك أن لها حقاً في بيت زوجها ليس لها أن يخرجها الورثة، لا الأبناء ولا غيرهم أن يخرجوا الزوجة في حال وفاة زوجها حولاً كاملاً. إذاً: الخلاف عند العلماء عليهم رحمة الله فيما زاد أربعة أشهر وعشراً، وأما بالنسبة لعدة المتوفى عنها زوجها، وبقاء المرأة في بيت زوجها فهذه مسألة أخرى قد تقدم الكلام عليها. والمسألة الثانية في هذا هي المتعة في مسألة النفقة، هل يسقط في ذلك حقها عند القول بالنسخ أو لا يسقط، ويدخل في ذلك في باب النفقة الكسوة، ويأتي الكلام عليه بإذن الله تعالى.
الحكمة من التفريق بين أحكام المطلقة وأحكام المتوفى عنها زوجها
في هذه الآية على ما تقدم إشارة إلى حكمة الله سبحانه وتعالى بالتقرير في مواضع المفارقة بين الزوجين، فالله عز وجل على ما تقدم فرّق بين فراق الطلاق وبين فراق الوفاة؛ لأن فراق الوفاة فيه ألم وحسرة، والمرأة لا تستقبل من الخطاب، ولا تستقبل من أمرها لمصيبتها التي هي فيه، كذلك فإن الشارع ألزمها بالحداد، وذلك أربعة أشهر وعشراً، فمدتها وعدتها أكثر من المطلقة، وذلك حق للزوج عليها. وهذه الآية يُخاطب فيها الأزواج بمعرفة الأحكام التي تتعلق بالزوجة بعد وفاته؛ ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ [البقرة:234]، والمراد بذلك هم الرجال، وهذا ظاهر في قوله: (أزواجهم) إشارة إلى خطاب الرجال، وكذلك أيضاً: فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ [البقرة:234]، أي: أن الخطاب من الرجال إلى النساء.