وكذلك أيضاً: كما أن الطاعات عند أهل الإيمان والإيمان يزيد وينقص، كذلك أيضاً الكفر، فالكفر يزيد وينقص كالإيمان، مع أن الكافر خالد مخلد في النار، ولكن عذابه بمقدار كفره، ولهذا يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ [التوبة:37]، يعني: أن الإنسان يزيد كفره بتلك الذنوب التي تقع منه، ولهذا يتباين الناس بسبب كفرهم، وإذا زاد كفرهم كان عقابهم عند الله عز وجل أعظم، ولهذا نقول: إن الله عز وجل يزن لأهل الكفر كفرهم؛ ليعاقبهم عليه، فهم يتباينون في الكفر زيادةً ونقصاناً، وإن كان الكافر خالداً مخلداً في النار لا يخرج منها، زاد كفره أو نقص ما لم يكن من أهل الإسلام ووقع في شيء من الشرك الأصل والكفر الأصل، وأهل الإيمان يتباينون بمقدار إيمانهم، ويرفعهم الله عز وجل في ذلك مراتب بحسب حسناتهم وسيئاتهم. الحالة الثالثة: من له كفتان، وهي كفة لسيئاته وكفة لحسناته، وهم عامة أهل الإيمان، فمن غلبت حسناته سيئاته كان من أهل الجنة، ومن غلبت سيئاته حسناته كان من أهل النار، ما لم يغفر الله عز وجل له الذنب، فإنه يكون من أهل النار، عافانا الله وإياكم من ذلك. كذلك أيضاً فإنه ينبغي للعبد أن يعلم أن الله سبحانه وتعالى لا يظلم عباده مثقال ذرة، وأن أعظم ما يخدع به الناس في الدنيا أنهم يستحضرون أعمالاً ويستعظمونها في نفوسهم، يظنون أن وزنها في الميزان كميزانها في النفوس، وهذا من الجهل العظيم، فقد تعمل عمل برٍ وتظنه عند الله عظيماً، وتجده ضعيفاً في الميزان؛ لأن التعظيم له خطأ، أو أن السيئات قد جعلته ضعيفاً، أو أن النية وعمل القلب قد جعله هزيلاً، فإن من أعظم سبل إغواء الشيطان للإنسان أن يجعل حسناته حاضرة في ذهنه ويجعلها نصب عينيه، ويجعل السيئات التي يفعلها مطوية عنه، فيتعاظم ويسكن ويتفاءل، ثم يجد أمره عند الله عز وجل على خلاف ما يجده في نفسه.
تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٦١٨
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير آيات الأحكامص ٦١٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي