راهب فناداه، فلما خرج بكى، فقال: ما يبكيك؟ فقال له عمر بن الخطاب: تذكرت قول الله عز وجل: عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ [الغاشية:3]، يعني: تعمل في الدنيا وناصبة في النار يوم القيامة. إذاً: العبرة ليست بعمل الإنسان في ذاته، ولكن عمله وما ترك في الأفعال والترك، لا بد من جمعها، فما الذي فوت، وميزان ما فوت بالنسبة لما عمل، وهذا فيما أرى أنه أصل ضلال البشرية، لهذا الله عز وجل خلق الناس على الفطرة، فإذا لم يتمكن الإنسان من تغيير الفطرة قام بجعلها مختلة، فتجد مثلاً نفوساً تنفر من الزنا، وتنفر من السرقة، وتنفر من الكذب، وتنفر من الغش، وتنفر من القتل وغير ذلك، وإذا لم يستطع أن يقلب هذه الأشياء قام بخلط مراتبها في ذلك حتى تنشغل النفوس بالأدنى وتفوت الأعلى، ومراتب الشيطان في إغواء بني آدم في هذا الباب متفاوتة بحسب ما يقاومون ذلك من علم، وربما تمكن الإنسان في العلم فجاء الشيطان إليه في دقائق يسيرة من مسائل الدين، ففتنه في ذلك لأنه يخفى عنه في هذا، وربما أيضاً علم حقائق الأشياء، ولكنه جهل أمرها ومقدارها في مآلها، فعظم المآل المتوهم لأنه عظمه في نفسه، وحقر الحقيقة الحالة في ذاته وهي عظيمة، وإذا اجتمع في ذلك هوى النفس والطمع فإنه يقع في ذلك الاختلال، وهو أعظم فتنة يفتن بها العالم.
تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٦٠٥
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير آيات الأحكامص ٦٠٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي