ويقدم أولها وهو الدعوة إلى الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أول ما أمر المشركين من كل فئة ومن كل جنس أمرهم بالدخول في الإسلام، ومن لم يدخل فإنه يفرض عليه بعد ذلك الجزية، وقدمت الجزية هنا؛ لأن قتال المشركين إنما جعله الله عز وجل متأخراً؛ لأن القتال يفتح باباً على المسلمين متسعاً، فإذا لم يكن ثمة جزية فإن المشركين أكثر من أهل الكتاب وأكثر من المؤمنين، فجعل الله عز وجل لنبيه أموراً وأحوالاً يدرأ بها الشر، لأن المؤمنين لا يطيقون مواجهة الكل، وفي هذا إشارة إلى معنى أنه ينبغي لأهل الإيمان ألا يعادوا الأمم كلها بالمحاربة، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو من هو فقد أيده الله عز وجل ووعده بالنصر كان يسالم هذا ويقاتل هذا، يسالم بني النضير ويقاتل بني قريظة، وهذا مع كونهم من أهل ملة واحدة، وأما استعداء الأمم جميعاً فإن هذا ليس من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو المؤيد بنصر الله، وإنما يتوجه إلى فئة فإذا انقضى منها توجه إلى فئة أخرى، ويعطي غيرهم من أمور العهد والأمان؛ حتى يقضي أمرهم تباعاً، وهذا من الحكمة في الجهاد في سبيل الله، والتعامل مع الفتنة.
معنى قوله تعالى: (ويكون الدين لله)
ثم قال تعالى: حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [البقرة:193]، هل المراد بذلك أن يكون الدين في الأرض كلها لله فيزول في ذلك الشرك؟ نقول: الله عز وجل يعلم أن الشرك والمشركين لن يزولوا من الأرض حتى قيام الساعة، بل تقوم الساعة على شرار الخلق، ولكن المراد بذلك حتى تكون الغلبة، فالله عز وجل متم نوره ولو كره الكافرون، فالمراد بذلك هو تمام النور، والإتيان بكامل القوة للمؤمنين على غيرهم.