حاجة الناس الدينية والدنيوية إلى معرفة المواقيت
ثم قال تعالى: قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة:189]، أجاب النبي صلى الله عليه وسلم بجواب ربه جل وعلا لمن سأله عن الأهلة فقال: هي مواقيت للناس، أي: أن هذه الأهلة تتباين مواقيت للناس حتى يعرفوا أحوالهم فالعبادات وكذلك المعاملات مركبة من أمرين: فعل وزمن، والفعل المجرد بذات الإنسان لا بد أن يركب على زمن، وهذا الزمن يتسع ويضيق، ولهذا جاءت الشريعة بضبط وصف الأعمال وضبط الأزمنة وتضييقها، فجاءت المواقيت للصلوات, وجاءت المواقيت للصيام، وكذلك أيضاً للحج والزكاة وغير ذلك، ولهذا نجد الشريعة جاءت على هذا النحو، إما ضبطاً لوصف العبادة، وإما ضبطاً لزمنها، فما من عبادة من العبادات إلا وأصلها منضبط وصفاً وزمناً, وقد تتسع في بعض صورها فترتبط بالفعل ولا ترتبط بالزمن؛ وذلك كعموم الاستغفار والتهليل ضبطه الله عز وجل بوصف على صيغة معينه، وضبطه الله عز وجل أيضاً بزمن، وجعله في صور أخرى مفتوحاً، أي: يستغفر الإنسان ربه جل وعلا ويهلله سبحانه وتعالى كيفما شاء, وإلا فأصله منضبط في أحوال، إما في أبواب الصلوات كأدبارها, أو تسبيح وتهليل على صور, فما من عبادة جاءت في الشريعة إلا وهي منضبطة بهذين الضابطين، ولهذا جعل الله عز وجل أمور الناس لا تنضبط حتى في أمور دنياهم إلا على هذا النحو، فالناس يضبطون الأفعال بوصفها ويضبطونها أيضاً بحدها بالزمن، ولا تنضبط أحوال الناس إلا على هذا الأمر، ولهذا قال الله عز وجل: هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة:189]، يعني: أن هذه الأهلة ضبطاً لمواقيت الناس في عباداتهم ومعاملاتهم وعاداتهم، فالناس في أعمالهم في البيع والشراء والإجارة وكذلك النذور، وعدد الطلاق, والمتوفى عنها زوجها, وكذلك أيضاً أمور النكاح، والمواعيد فيما بينهم, فإن هذا لا يعرف إلا بدائرة الزمن وعجلته، فجعل الله عز وجل ذلك أمراً منضبطاً