طريق الجاهلية في استحلال امرأة الأب وأن يفخر بذلك عند قومه، فقامت القرينة في كونه مستحلاً، وربما لو كان في غيره ما كان مستحلاً؛ ولهذا قد تجد بعض الناس في بعض البلدان يعقد على ذات محرم كامرأة أبيه، ويظهر فيه الجهل، ونجد أن بعض البلدان كجنوب السودان، يوجد نكاح زوجات الآباء موجوداً إلى اليوم، وهذا يغلب على كثير منهم الجهل، وهذا إذا علم التحريم ثم عقد وأراد الديمومة، فهذا قرينة على أنه استحل، ولا نطلق القول في كل متعاقدين على محرم أنهما استحلا، حتى تقوم القرينة. وعلى هذا نقول: لا خلاف بين الأئمة عليهم رحمة الله تعالى في ذلك، وإنما الخلاف في العقد هل هو دلالة على الاستحلال تقوم في ذات المتعاقدين أم لا؟ فإذا كانت في ذات المتعاقدين فإن ذلك يكون مستحلاً، ويؤيد هذا التوجيه أن النبي صلى لله عليه وسلم أمر بقتل من عرس بامرأة أبيه ولم يأمر بقتل المرأة ولا بقتل من شهدا على نكاحها؛ لأن أمر الاستحلال قام في الزوج أكثر من غيره. وبهذا نعلم ونقول: إن العقود على الأمور المحرمة بين المتعاقدين لا يلزم منها الاستحلال، وإنما مرد ذلك إلى القرينة، وهنا أمر من الأمور الذي ينبغي الالتفات إليه وهو من شرع العقود وسنها للناس أن يتعاقدوا على الأمر المحرم، فهل يدخل في باب الاستحلال، فيكون تشريعه لتلك العقود تشريعاً من دون الله، فيكون بذلك مرتداً أم يدخل في حال المتعاقدين، وفرق بين من شرع وسن العقود، وبين من تعاقد على الأمر المحرم؛ لأن القرينة في عدم إرادة من سن وشرع العقود أنه لا يريد الاستحلال أضعف من المتعاقدين؛ لأن الشهوة لا تقوم فيه كحال المتعاقدين، فالذي يتعاقد بالربا فإن الشهوة فيه أنه يريد تحصيل المال، الذي يتعاقد على الزنا الشهوة فيه ظاهرة، أما من يسن ويشرع ذلك فإن الشهوة فيه ضعيفة، والقرينة فيه أقوى.
تفسير آيات الأحكام · الصفحة ١٤٩٠
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير آيات الأحكامص ١٤٩٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي