ومعلوم أن العقل له مسلكان: مسلك إثبات ونفي، العقل أصدق في الإثبات من النفي؛ لأنه يثبت المشاهد، أما النفي فينفي الغيب، وإدراكه للغيب قليل، والله عز وجل يقول: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85]، فليس للإنسان أن ينفي، وإنما له أن يثبت ما لم يخالف في ذلك دليلاً، حينئذٍ نقول: إنه توهم، كحال العقل الذي يثبت وجود الماء، والحقيقة أنه سراب، صدق في إثباته أو كذب؟ كذب، لأنه سراب، إلا بدليل بيَّن في هذا، أما نفي الغيب فإنه يخطئ في النفي أكثر من خطئه في الإثبات، وهنا ينفون غيباً، والأدلة في ذلك ظاهرة، ومعلوم أنه حتى من جهة النظر والعقل أن في بدن الإنسان من الماديات التي تجري في دمه والتي يكتشفها أهل الطب عاماً بعد عام، من المواد ما لا يدركونها في الأعوام السابقة، فكيف ينفون شيئاً لم يعلموه وقد استجد لديهم ولم يكن في الماضين، ولو قيل عند الماضين: إن في بدن الإنسان مقدار كذا من حديد، ومقدار كذا من معدن كذا ومعدن كذا، ربما نفوا هذا الأمر، ولكنه من جهة الحقيقة موجود، وهذا نفيه من جهة العقل كعدم إدراك الإنسان له، هو تجاوز على النقل بعقل قاصر. وكذلك من الأدلة في هذا: التجربة والواقع، لأن المس مدرك لدى الناس، فكثير يرى الإنسان ممسوساً ومجنوناً، ويتكلم الجني على هذا.
تفسير آيات الأحكام · الصفحة ١٠٧١
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير آيات الأحكامص ١٠٧١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي