قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ [الإسراء: ٤٢] كلها بالتاء على معنى المخاطبة، والآخرون بالياء، وقرأ أبو عمرو: الأوسط بالياء، واختلفوا عن عاصم في رواية حفص الآخر خاصة بالتاء، وروى أبو بكر مثل ابن عامر.
وقال تعالى: وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ، يعني: وحدانيته، قول لا إله إلا الله.
وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُورًا، أي أعرضوا تباعدًا عن الإيمان. وقال القتبي: ولوا على أعقابهم هربًا، وهو مثل ما قال مقاتل: ولّوا على أعقابهم وذلك حين قال لهم النبيّ ﷺ: «قولوا لا إله إلا الله تملّكوا بِهَا العَرَبَ وَتَدِينُ لَكُمْ بِهَا العَجَمُ»، فنفروا من ذلك.
ثم قال: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ، يعني: بالقرآن. إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أي إلى قراءتك القرآن. وَإِذْ هُمْ نَجْوى، يعني: يتناجون فيما بينهم. إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ، أي المشركون للمؤمنين: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا، أي: ما تطيعون إِلاَّ رَجُلًا مغلوب العقل.
وذكر القتبي، عن مجاهد أنه قال: مَسْحُورًا أي مخدوعًا، لأن السحر حيلة وخديعة، كقوله فَأَنَّى تُسْحَرُونَ [المؤمنون: ٨٩] أي من أيه تخدعون. وذكر عن أبي عبيدة قال: السَّحر الرئة.
يقال للرجل: انتفخ سَحرك، إذا جبن، يعني: إن تتبعون إلا رجلًا ذا رئة، أي بشرًا مثلكم.
[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٤٨ الى ٤٩]
انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨) وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩)
ثم قال: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ، أي وصفوا لك الأشباه حيث قالوا: ساحر أو مجنون. فَضَلُّوا، أي أخطئوا في المقالة وتحيروا. فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا، أي لا يجدون مخرجًا مما قالوا لتناقض كلامهم، لأنهم قالوا مرة: ساحر، والساحر عندهم المبالغ في العلم، ومرة قالوا: مجنون، والمجنون عندهم من هو في غاية الجهل. قال ابن السائب: وذلك أن أبا سفيان بن حرب، وحويطب بن عبد العزى وأبا جهل بن هشام وأبا لهب، وامرأته جميلة أخت أبي سفيان، والنضر بن الحارث وغيرهم، كانوا يأتون رسول الله ﷺ ويستمعون إلى حديثه، فقال النضر ذات يوم ورسول الله ﷺ يحدث أصحابه: ما أدري ما يقول محمد، غير أني أرى شفتيه تتحركان. فقال أبو جهل: هو مجنون، وقال أبو لهب: بل هو كاهن، وقال حويطب:
بل هو شاعر. فنزل: وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ إلى قوله: قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا «١» .
وقوله: وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظامًا، أي: صرنا عظاما وَرُفاتًا، أي ترابا. أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ؟ أي لمحيون في الآخرة خَلْقًا جَدِيدًا. والاختلاف في قوله: أَإِنَّا في القرآن مثل ما ذكرنا في الرعد.
(١) عزاه السيوطي: ٥/ ٢٩٨- ٢٩٩ إلى ابن إسحاق والبيهقي في الدلائل، عن الزهري.