تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويسدي النصيحة إلى من عرف ومن لم يعرف؛ وواجب أمام نفسه: هو أن يهذبها ويصقلها بالصلاة المفروضة، ويزكيها ببذل المال في سبيل الله. وبعد أن عدد الله لنبيه الأسباب التي تحول دون الطمع في إيمان بني إسرائيل فيما تقدم، أخذ يبين له أيضًا ما هم عليه من طبائع لا سبيل إلى تحويلهم عنها، وقد كانت ولا تزال من أكبر الأسباب المانعة من هدايتهم وانقيادهم لله ورسوله وما جاء من عنده، ذلك لأن السر في تأخر الأمم إنما هو لعدم التمسك بالأخلاق الفاضلة، واتباع الأوامر الإلهية، وقد نوه سبحانه وتعالى بذكر هذه الطبائع بما يأتي:

«الطبع الأول»: التناقض في الأقوال والأفعال، وقد أشار إليه بقوله ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم﴾ بالانتهاء عن أمرين: هما أولًا ﴿لا تسفكون دماءكم﴾ وثانيًا ﴿ولا تخرجون أنفسكم من دياركم﴾ أي أن الله قد أخذ على بني إسرائيل في التوراة أن لا يقتل بعضهم بعضًا، ولا يخرج بعضهم بعضًا من ديارهم، وأيما عبد أو أمة وجدوه من بني إسرائيل فليشتروه بما قام من ثمنه ويعتقوه، وكان بنو قريظة حلفاء الأوس، وبنو النضير حلفاء الخزرج، وكانوا يقتتلون، ويخربون ديار بعضهم، ويخرجونهم منها، ولكنه إذا أسر رجل منهم جمعوا له المال الكافي لفدائه، ويقولون إنا نحاربهم تأييدًا لحلفائنا، ونفديهم لأن التوراة قد أوجبت علينا فداءهم، وبذلك ألزمهم الله الحجة، وأثبت عليهم تناقضهم حيث قال ﴿ثم أقررتم﴾ بحصول الميثاق ممن قبلكم ﴿وأنتم تشهدون﴾ اليوم على صحته ﴿ثم أنتم هؤلاء﴾ الجاحدون المشاهدون ﴿تقتلون﴾ وقرئ ﴿تقَتلون﴾ ﴿أنفسكم﴾ من إخوانكم المحاربين إلى جانب حلفائهم ﴿وتخرجون فريقًا منكم من ديارهم﴾ إلى جانب حلفائكم المشركين ﴿تظاهرون﴾ وقرئ ﴿تتظاهرون﴾ و ﴿تظهّرون﴾ أي تتعاونون ﴿عليهم بالإثم والعدوان﴾ دون أن يكون هناك دين تناصرونه، أو غاية سامية تعملون لتأييدها ﴿وإن يأتوكم أسارى﴾ وقرئ ﴿أسرى﴾ بفتح الهمزة عن غير ألف، وإسكان السين ﴿تفادوهم﴾ وقرئ ﴿تفدوهم﴾ بفتح التاء وإسكان الفاء بلا ألف، مع أنكم أنتم الذين حاربتموهم وأخرجتموهم من ديارهم، وحملتموهم على الوقوع في الأسر ﴿وهو محرمٌ عليكم إخراجهم﴾ وهذا تناقض ظاهر فلا أنتم اتبعتم التوراة ورفضتم الاشتراك في الحرب ضد بعضكم، ولا أنتم تجاهلتم ما جاء في التوراة بتاتًا فلم تقدوا الأسير منكم ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب﴾ فيما يتعلق بفداء الأسير ﴿وتكفرون ببعضٍ﴾ فيما يتعلق بسفك دماء بعضكم،

تفسير الخطيب المكي · الصفحة ٦٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير الخطيب المكيص ٦٣