من الطبقة التي تحرف كلام الله من بعد ما عقوله، لأنهم من العامة الذي ﴿لا يعلمون الكتاب إلا أماني﴾ أي لا يتصورون من الدين إلا مجرد تلك الأماني الزائفة التي كان يلقنها لهم أحبارهم من أنهم هم شعب الله، وتلك الأكاذيب المختلفة التي كانوا يعلمونهم لهم، ويوهمونهم أنها من كلام الله، فيتقبلونها ويعملون على ابتاعها ﴿وإن هم إلا يظنون﴾ أي والحال أنهم ليسوا على علم بحقيقة الكتاب، فإذا تلي عليهم سمعوه، وإذا ذكر لهم تأويله تقبلوه من دون تأمل ولا تدبر، مع أن هذه الطريقة لا توصلهم إلى الحق، بل إنهم مكلفون ببحث حقيقة الدين واتباع أحكامه، وعدم الاكتفاء بتقليد علمائهم تقليدًا أعمى من غير تعقل ولا نظر صحيح، وهذا بمثابة التحذير من تحريف وتأويل كلام الله، والاعتقاد بأن مجرد الانتماء للدين كاف للنجاة من عذاب الله.
وهنا أراد الله أن يلقي تبعة ضلال هؤلاء الأميين على عاتق أحبارهم الذين كانوا يحرفون كلام الله من بعد ما عقلوه، ويختلقون الكذب، ويضللون السواد الأعظم من الناس بما يملونه عليهم من الاختلافات التي يوهمونهم أنها من الدين وليست منه في شيء. ولذلك رتب عليهم حكمه الآتي حيث قال: ﴿فويلٌ﴾ كلمة معناها الهلكة ﴿للذين يكتبون الكتاب﴾ كما يشاءون، ويؤلفون الرسائل الدينية إلى جانبه، ويدسون فيها من الاختلافات ما يتجافى عن حقيقة الدين ﴿بأيديهم﴾ ومن عند أنفسهم، فيحرمون الحلال، ويحلون الحرام، ويخترعون من البدع في الدين ما شاءت أهواؤهم، بدون أن يكون لهم مستند من كتاب الله ﴿ثم يقولون هذا﴾ أي ما كتبوه وألفوه ﴿من عند الله﴾ كذبًا وبهتانًا، فيحملون العامة من الناس على التعبد به، والاستغناء بما فيه من التعاليم عن كتاب الله الحقيقي، على زعم أنهم يفهمون من الدين ما لا يفهمه غيرهم؛ ولا مطمع في الواقع لهم من ذلك إلا تحويل الناس عن عقائدهم الدينية الصحيحة، حبًّا في الشهرة والجاه واجتذاب العامة إليهم ﴿ليشتروا به﴾ أي ليستعيضوا بنشر دعايتهم ﴿ثمنًا قليلًا﴾ دارهم معدودة لربحهم وانتفاعهم ﴿فويلٌ لهم مما كتبت أيديهم﴾ من اختلاق في الدين، وتلوين في أكاذيبهم لا يسلم بها العقل، ولا يقرها الدين ﴿وويلٌ لهم مما يكسبون﴾ من ربح أضاعوا في مقابله دينهم، وباعوا من أجله ضمائرهم.