تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والنذر، ولا بالعظات والعبر، ولم يعد فيها موضع للرحمة وحب الخير للإنسان ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾ وقرئ ﴿يعملون﴾ أي أولئك القوم من بني إسرائيل. فاحذروا أن تسيروا سيرتهم، وقد بينا لكم ما نالهم. إن التشكك في علم الله بكل ما في الكون، وما بين ثنايا القلوب من شأنه أن يورث القسوة، ويميت عواطف الرحمة في الإنسان. بعد أن خاطب الله بني إسرائيل وعدد نعمه عليهم وبين لهم الأسباب الداعية لما أصابهم من الذلة والهوان وغير ذلك، وحذرهم من الاستمرار على ما كان عليه آباؤهم وجه الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين الذين كانوا يحسنون الظن ببني إسرائيل، ويحسبونهم أولى الناس بالإيمان، لأنهم من أهل الكتاب المنزل من الله، ولأن الإسلام قد جاء مصدقًا لما معهم، محلًا لهم الطيبات، محرمًا عليهم الخبائث. فقال تعالى ﴿أفتطمعون﴾ في التآخي مع بني إسرائيل بما لديكم من نظريات معقولة وتأملون ﴿أن يؤمنوا لكم﴾ بعد ما تبين لهم من الحق ﴿وقد﴾ فاتكم أن هؤلاء من نسل أولئك الذين ﴿كان فريقٌ منهم﴾ ممن اختاره موسى لصحبته عند خطاب ربه ﴿يسمعون كلام الله﴾ الذي أنزل على موسى وهو التوراة ﴿ثم يحرفونه﴾ بتغيير لفظه وتأويله ﴿من بعد ما عقلوه﴾ لفظًا ومعنى وهم بذلك قد تعمدوا التحريف عن سوء قصد ﴿وهم يعلمون﴾ أي مع عمهم بالحقيقة والصواب، لأنهم كانوا على صلة بموسى، ولم يكونوا في حالة ذهول وفقد جنان. وبهذا ينتفي عنهم عذر الخطأ والنسيان، ويثبت عليهم تعمد الفسق والعصيان، فلا طمع في حسن إيمانهم، ولا أمل في التآخي معهم والثقة بهم، لا سيما وأنهم جبلوا على النفاق، وتعودوا التملق والشقاق ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا﴾ لهم ﴿آمنا﴾ معكم بالله ليكتسبوا بذلك ثقتهم ﴿وإذا خلا بعضهم إلى بعضٍ قالوا﴾ أي قال واحد منهم لأخيه ﴿أتحدثونهم﴾ أي المؤمنين ﴿بما فتح الله عليكم﴾ به في التوراة من أخبار بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ووجوب نصرته ﴿ليحاجوكم به﴾ بما رويتموه لهم عن نفس كتابكم وهو التوراة ﴿عند ربكم﴾ أي أمام ربكم بعد أن قامت عليكم الحجة ﴿أفلا تعقلون﴾ إن هذا يحط من قدركم ويضركم. فوبخهم الله على هذيانهم هذا بقوله: ﴿أولا يعلمون أن الله﴾ سبحانه وتعالى لا يخفى عليه أمر التحريف، ولا يخفى عليه أمر التلون والنفاق فالله ﴿يعلم ما يسرون﴾ من كفر وكيد ﴿وما يعلنون﴾ من إيمان كاذب للمؤمنين ﴿ومنهم أميون﴾ أي ومن بني إسرائيل جماعة ليسوا

تفسير الخطيب المكي · الصفحة ٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير الخطيب المكيص ٥٩