تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بطريقة لا تجعل محلًا للشك والطعن، حيث أمرهم بضرب القتيل بجزء من البقرة التي لم يفهموا السر في ذبحها ففعلوا، وعاد القتيل حيًّا وسمى لهم قاتله وهو البادئ بالشكاية، وابتلاهم الله بعد ذلك بقسوة القلب جزاء على ما في أنفسهم من شك وارتياب في علم الله سبحانه وتعالى. وقد عبر عن ذلك بقوله ﴿و﴾ اذكروا ﴿إذ قتلتم نفسًا﴾ وأردتم اختبار موسى أو رب موسى في معرفة القاتل ﴿فادارأتم فيها﴾ أي تدافعتم بأن نفى كل منكم جريمة القتل عن نفسه، وقصد الاستمرار على الإنكار وهو يعلم أن لا شاهد بالقتل فلا سبيل إلى ثبوت الجريمة عليه كلية ﴿والله﴾ عالم السرائر لا يخفى عليه شيء من أمركم فهو ﴿مخرجٌ ما كنتم تكتمون﴾ من عدم الإيمان لأن ذلك لا يخفى عليه سبحانه وتعالى؛ ومن أجل هذا لم يسمح لنبيه بإخباركم باسم القاتل، وما قصدتم من وراء إخفاء أمره لئلا تتوهموا أو تزعموا أن ذلك قد اتصل إلى النبي عن طريق بشر منكم، فجاءكم بمعجزة لم تخطر لكم على بال، حيث أمركم بذبح البقرة أولًا، ولما تداعيتم في موضوع القتيل، وأضمرتم في نفوسكم ما أخفيتم، قال تعالى: ﴿فقلنا اضربوه﴾ أي القتيل ﴿ببعضها﴾ أي ببعض البقرة المذبوحة لنبين لكم لنبين لكم الحكمة في ذبحها ولنريكم ﴿كذلك﴾ كيف يستطيع أن ﴿يحيي الله الموتى﴾ ويجعلها تنطق وتخبر بقاتلها من تلقاء نفسها، ﴿ويريكم آياته﴾ في القضاء على الشكوك والأوهام التي تجيش بها نفوسكم وإن لم تعلنوها بألسنتكم ﴿لعلكم تعقلون﴾ ما نرمي إليه بذبح البقرة، وحياة القتيل، ونطقه أمامكم باسم القاتل من إخضاعكم لله سرًّا وجهرًا ﴿ثم قست قلوبكم من بعد ذلك﴾ ولكنه بالرغم عن كل هذا فإن قلوبكم قد قست من بعد ذلك ﴿فهي كالحجارةِ﴾ في فقدان حاسة التأثر والانفعال بما يرد عليها من المواعظ والآيات؛ بمعنى أنها هبطت من درجة الإحساس الحيوي، إلى درجة الجماد ﴿أو أشد قسوة﴾ أي أنهم نزلوا عن درجة الحجارة، لأن هذه الحجارة أيضًا على صلابتها وقسوتها قد تتأثر بالماء الرقيق فيشقها وينفذ منها ﴿وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء﴾ فيحيي الأرض وينفع النبات والحيوان، ﴿وإن منها لما يهبط﴾ بكسر الباء وقرئ بضمها ﴿من خشية الله﴾ بتأثير الأحداث السماوية والأرضية الهائلة في الكون كالصواعق والزلازل والبراكين؛ وأما هذه القلوب التي تعودت على الشك والارتياب برغم ما جاء من البينات، فإنها أصبحت لا تتأثر بالحكم

تفسير الخطيب المكي · الصفحة ٥٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير الخطيب المكيص ٥٨