تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التردد سيئات، فلم يقتنعوا بذلك أيضًا وأصروا على تقاعسهم عن تنفيذ أمر ربهم، والتمسوا لذلك الأعذار، وأخذوا يخترعون له الأسئلة حيث ﴿قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها﴾ لأننا نخشى أن يكون للبقرة المطلوبة لون خاص فإذا ذبحناها على خلافه نخسر ثمنها ولا تجدينا فتيلًا ﴿قال إنه يقول إنها بقرة صفراءُ فاقعٌ لونها﴾ أي صاف أو شديد الصفرة ﴿تسر الناظرين﴾ والبقر بمثل هذا اللون، وتلك السن كثير فأيها ذبحتم أجزأكم، فلم يقتنعوا بذلك أيضًا بل استمروا في عنادهم وتقاعسهم ثم ﴿قالوا﴾ لا بد وأن يكون للبقرة المطلوبة علامة فارقة تميزها عن غيره ﴿ادعو لنا ربك يبين لنا ما هي﴾ تلك العلامة الفارقة ﴿إن البقر﴾ وقرئ ﴿الباقر﴾ اسم لجماعة البقر ﴿تشابه﴾ أي التبس ﴿علينا﴾ وهو مبتذل في الأسواق، ولم نتصور بعد الحكمة أو الغاية من ذبح البقر لذلك، فإنا نعتقد أن الله لم يأمرنا بذبح البقرة إلا وقد أراد بقرة خاصة بعينها ذات خاصية وقيمة ﴿وإنا إن شاء الله لمهتدون﴾ إلى البقرة التي أمرنا بذبحها ﴿قال﴾ ما دمتم تأبون إلا التكليف والتعيين، ولم يكن ذلك مقصودًا أصلًا فاعلموا ﴿إنه يقول إنها بقرة لا ذلولٌ﴾ بضم اللام الأولى وقرئ بفتحها أي سهلة الانقياد ﴿تثيرُ الأرض﴾ أي لم تذلل لإثارة الأرض ﴿ولا تسقي﴾ بفتح التاء وقرئ بضمها ﴿الحرث﴾ أي ليست من البقر التي يسقى بها الحرث ﴿مسلمةٌ﴾ أي بريئة من العيب ﴿لاشية فيها﴾ أي لا علامة فارقة فيها، وعندئذ بحثوا عنها بهذه الأوصاف فلم يجدوها مستكملة كل هذه الأوصاف إلا عند إنسان واحد فقط وأبي بيعها إلا بأضعاف ثمنها فأيقنوا من غلو ثمنها وتميزها عن غيرها وانطباق الأوصاف عليها أنها حقًّا هي المقصودة من الأمر وعندئذ ﴿قالوا الآن﴾ وقرئ ﴿الان﴾ بحذف الهمزة ﴿جئت بالحق﴾ لقصر نظرهم وإلا فإن ما قاله من أول مرة هو الحق. وقد قال ابن عباس رضي الله عنه: لو ذبحوا أية بقرة أرادوا لأجازت منهم، لكنهم شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم ﴿فذبحوها﴾ بعد أن اشتروها بثمن باهظ ﴿وما كادوا يفعلون﴾ أي ما قاربوا الفعل لعدم وجود الرغبة الكافية في نفوسهم لاتباع أوامر الله، والإذعان لأحكامه لعدم الحكمة في ذبح البقرة. وهنا نبه الله بني إسرائيل أيضًا إلى أن ما أصباهم من قسوة القلب، وموت العاطفة النبيلة في نفوسهم إنما هو نتيجة تشككهم في علم الله بحقائق الأمور، كما يتجلى ذلك من قتلهم نفسًا، وإنكار كل واحد منهم أمر القتل، ومطالبة موسى بالدلالة على القاتل، فأظهره الله من بينهم

تفسير الخطيب المكي · الصفحة ٥٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير الخطيب المكيص ٥٧