السراء والضراء، ولأن الإيمان باليوم الآخر دليل على الإيمان بالرسل الذين جاءوا بأخباره، وختامهم النبي صلى الله عليه وسلم وهذا ما يوجب اتباعهم والسير على منهاجهم، والتمسك بحقيقة أديانهم، وهذا هو العمل الصالح الذي يستجلب رضاء الله فلا غرو إذا ما وجد فاعلوه أجرهم ﴿عند ربهم﴾ في يوم الحساب ﴿ولا خوف عليهم﴾ في الدنيا من عذاب الله ونقمه ما داموا على هذه الحالة بناء على وعد الله السابق لهم ﴿ولا هم يحزنون﴾ في الآخرة على شيء حرموا منه أو لم يجدوه. بعد أن بين الله في الآية السابقة لبني إسرائيل أن الإيمان الكامل، والعمل الصالح، هما سبيل النجاة، أراد أن يعبر لهم عن مبلغ حمله وكرمه وفضله ورحمته، فذكرهم بأنه سبحانه وتعالى لم يكتف بمجرد إنذارهم، والتلويح لهم بخوارق العادات مع ترك الخيار لهم في قبول الهداية، أو عدمها، بل إنه أكرههم فعلًا على الإذعان لأوامره بقصد هدايتهم حيث قال ﴿و﴾ اذكروا ﴿إذ أخذنا ميثاقكم﴾ بوجوب الانقياد والطاعة وما اكتفينا بهذا بإقامة الحجة عليكم فحسب، بل تفضلنا ﴿ورفعنا فوقكم الطور﴾ أي الجبل تهديدًا لكم، شأن السيد الذي يحمل على عبده العصا للطاعة والانقياد، وقلنا لكم ﴿خذوا ما آتيناكم﴾ من الكتاب ﴿بقوةٍ﴾ وإلا ألقيناه عليكم وأهلكناكم أجمعين ﴿واذكروا ما فيه﴾ من أوامر وتعاليم وآيات بينات لتفهموها جيدًا فإنها كفيلة بإخضاع نفوسكم لله، واتباع دينه الحق ﴿لعلكم تتقون﴾ الله منزل ذلك الكتاب الذي أذعنتم له ساعة التهديد إذ أن ما يفعل بالإكراه يعود اختياريًا بالتعود ﴿ثم توليتم من بعد ذلك﴾ عن الطاعة، وتناسيتم الجبل الذي كاد ينقض عليكم، فأشفقنا عليكم، وأبقينا عليكم، وكان لنا أن نأتي بالجبل مرة أخرى ونوقعه عليكم فعلًا وأنتم لا تشعرون ﴿فلولا فضل الله عليكم﴾ برفع الجبل فوقكم حتى تبتم ﴿ورحمته﴾ بإمهالكم عند ما عصيتم ﴿لكنتم من الخاسرين﴾ الذين سلبوا نعيم الدنيا وخلدوا في نار جهنم في الآخرة. وبعد أن تفضل الله على بني إسرائيل ببيان مبلغ حلمه وفضله ورحمته، نبههم إلى أن ما حاق بهم من الأحداث، وما شهدوه من العبر، ما هو إلا نتيجة تلبسهم بأنواع خاصة من المعاصي ليأخذوا لهم من ذلك درسًا يرشدهم إلى أن السر فيما يجدونه في أنفسهم من ذلة وهوان، هو تعمدهم الاحتيال والتدليس حتى على الله حيث قال ﴿ولقد علمتم﴾ بأمر ﴿الذين اعتدوا منكم﴾ باحتيالهم على الله وحبسهم الحيتان ﴿في﴾ يوم ﴿السبت﴾ وقد نهوا عن الصيد فيه،
تفسير الخطيب المكي · الصفحة ٥٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير الخطيب المكيص ٥٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي