﴿فإن لكم﴾ فيها ﴿ما سألتم﴾ من البقول وغيرها. ﴿وضربت عليهم الذلة﴾ كتب عليهم الذل، لأن الله أراد عزهم بإسكانهم الأرض المقدسة فأبوا إلا الحنو إلى المكان الذي كانوا أذلاء فيه ﴿والمسكنة﴾ كتب عليهم أن يظهروا بمظهر الفقر والمتربة، لأن الله قد أغدق عليهم نعمة من غير كد فأبوا إلا أن يحصلوا عليها بالحرث والزرع، والتعب والنصب، ﴿وباءوا﴾ أي رجعوا ﴿بغضبٍِ من الله﴾ لسبب آخر غير هذا ﴿ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله﴾ التي تتلى عليهم، ومعجزاته التي تتجلى أمام أنظارهم ﴿ويقتلون النبيين﴾ الذين يدعونهم إلى الهداية، والرجوع عن العناد، والضلال ﴿بغير الحق﴾ مع علمهم في أنفسهم بأنهم أنبياء الله حقًّا وقد استحقوا ﴿ذلك﴾ أي ما أصابهم من ذلة ومسكنة ﴿بما عصوا﴾ ربهم والعصيان من شأنه إزالة النعم، واستحقوا حلول الغضب بهم لأنهم جحدوا نعمة الله عليهم، وكفروا بآياته ﴿وكانوا يعتدون﴾ على عباد الله، وفي مقدمتهم أنبياؤه، وقد دلتنا هذه الآية على القواعد الاجتماعية الآتية:
(1) كفران النعم يؤدي إلى الفقر والمسكنة.
(2) محاربة الحق تؤدي إلى المذلة والهوان.
(3) الإمعان في المعاصي ومبارزة الله بالعداء يؤدي إلى حلول النقم، وكثرة المحن.
وبعد أن عدد الله نعمه على بني إسرائيل، وذكرهم بما كان منهم من السيئات، وما حاق بهم من العذاب، وما ضرب عليهم من المذلة أراد سبحانه وتعالى أن يفهمهم بأنه فضلًا عن كل ما حدث فإنه لن يؤاخذ المجرم إلا بإجرامه، والمذنب إلا بذنبه فمن كان مؤمنًا بالله ورسله واليوم الآخر عاملًا على إرضائه بتنفيذ أوامره، واجتناب نواهيه، فلا حرج عليه، ولذلك قال: ﴿إن الذين آمنوا﴾ وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿والذين هادوا﴾ بضم الدال وقرئ بفتحها وإسكان الواو أي اليهود من أتباع موسى في عهده ﴿والنصارى﴾ من أتباع عيسى في عهده ﴿والصابئين﴾ وقرئ «الصابين» من غير همزة وقرئ بإبدال الهمزة ياء أي بيائين وهم قوم يزعمون أنهم على دين نوح ﴿من آمن﴾ أي وثق حقيقة بقلبه ﴿بالله﴾ بأنه واحد، وأخلص له العبادة، ولم يشرك به أحدًا من خلقه ﴿واليوم الآخر﴾ أي وآمن بصحة ما أخبر به الرسل عنه ﴿وعمل﴾ عملًا ﴿صالحًا﴾ خالصًا من كل الشوائب والرياء موافقًا لما أشار به الرسل يبتغي به وجه الله ﴿فلهم أجرهم﴾ على ذلك لأن الإيمان بالله موجب لحبه، والخوف منه ودعائه في