أن ذكرهم بما كانوا عليه من ظمأ ونصب، وما أمدهم الله به في تلك الأثناء من السقيا وتنظيمها بمعجزات باهرات حيث قال ﴿و﴾ اذكروا يا بني إسرائيل ﴿إذ استسقى موسى﴾ في ساعة الجدب والظمأ ﴿لقومه﴾ آبائكم ﴿فقلنا﴾ له سنمن عليهم بالمطر بمعجزة تثبت رسالتك حتى لا ينكلوا ويقولوا إنما جاء المطر من تلقاء نفسه، لا عن طريق استسقائك ﴿اضرب بعصاك﴾ التي كانت معجزتك لدى فرعون إذ انقلبت حية تسعى، فإنا سنجعلها الآن معجزة لقومك إذ تكسر ﴿الحجر﴾ الذي أمامك في هذا المكان المجدب ففعل ﴿فانفجرت منه﴾ أي فما كاد موسى ينفذ ما أمره به مولاه من ضرب الحجر بالعصا حتى تفتحت فيه منافذ يجري بها الماء ﴿اثنتا عشرة عينًا﴾ بفتح الشين وكسرها بعدد الأسباط الاثني عشر لئلا يتنازعوا عليها، ويتقاتلوا دونها فأقبلوا عليها يسقون ﴿قد علم كل أناسٍ مشربهم﴾ وقلنا لهم ﴿كلوا﴾ من الزراعة التي كادت تتلف ظمأ ﴿واشربوا﴾ من هذه العيون المتدفقة فإنها ﴿من رزق الله﴾ الذي تفضل به عليكم، ولا تكفروا بهذه النعم ولا تقابلوها بالجحود ﴿ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾ أي لا تبالغوا وتمنعوا في الفساد، فهذا يعد منكم كفرانًا للنعم التي توالت عليكم، وكان من نعم الله التي عددها على بني إسرائيل أن ذكرهم بما كان منهم من كفرانهم للنعم، وسآمتهم من الرزق الميسر لهم، واستجابته لطلبهم حيث قال ﴿و﴾ اذكروا يا بني إسرائيل ﴿إذ قلتم﴾ يوم أن أنزل عليكم المن والسلوى ﴿يا موسى لن نصبر على﴾ ما نحن إليه من ﴿طعام واحد﴾ ميسور هو المن والسلوى ﴿فادع لنا ربك﴾ أن ﴿يخرج لنا﴾ بدلًا من ذلك ﴿مما تنبت الأرض﴾ عن طريق الحرث والزرع ﴿من بقلها وقثائها﴾ بكسر القاف وضمها هي ما يسمى «القته» ﴿وفومها﴾ يطلق على التوم وسائر الحبوب، وقرأ ابن عباس ﴿وثومها﴾ ولعل هذا هو المقصود ﴿وعدسها وبصلها﴾ إلى غير ذلك مما ألقناه وتعودنا في مصر يوم كنا فيها ﴿قال﴾ ويلكم من جاحدين للإحسان، غير مقدرين للنعم ﴿أتستبدلون﴾ وقرئ ﴿تبدلون﴾ بإسكان الباء ﴿الذي هو أدنى﴾ من نبات الأرض الذي لا يحصل إلا بعد جهد ونصب، وقرئ ﴿أدنأ﴾ بالهمزة من الدناءة ﴿بالذي هو خير﴾ وهما المن والسلوى اللذان أنعم الله بهما عليكم من غير عناء أو مشقة أولهما من محصول السماء، والثاني من ذي الروح وإذ أبيتم إلا الإصرار على طلبكم، فأخرجوا من الأرض المقدسة و ﴿اهبطوا مصرًا﴾ تلك البلدة التي ألفتموها من قبل
تفسير الخطيب المكي · الصفحة ٥٤
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير الخطيب المكيص ٥٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي