﴿إلا المستضعفين﴾ حقًّا لا المتخذين الضعف عذرًا لهم ﴿من الرجال والنساء والولدان﴾ الذين بلغوا من الضعف أو العجز درجة لا تمكنهم من الهجرة و ﴿لا يستطيعون حيلة﴾ للخلاص من تلك البلاد التي يسأمون فيها الخسف بحيث شدد عليهم أعداؤهم الخناق ووضعوا عليهم من القيود ما يحول دونهم ودون الهجرة من البلاد ﴿ولا يهتدون سبيلًا﴾ لنشر الدعوة والجهر بالحق ﴿فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم﴾ ويسامحهم على قصورهم في واجبهم ولو بالهجرة من الديار التي هي أقل درجات الجهاد في سبيل الله ﴿وكان الله عفوًا غفورًا﴾ أي من شأنه أن لا يؤاخذ على المخالفات التي لها أعذار صحيحة ويغفرها بالتجاوز عنها. ولما كان الله تعالى يعلم السبب الحقيقي لتخلف المؤمنين عن الهجرة بعد أن سئلوا عنه ولم يجيبوا وهو أنهم كانوا يخافون على أموالهم التي كانت معهم في بلادهم ويخشون عليها أن تصادر أو لا يستطيعون استصحابها معهم فيفقروا بعد أن كانوا أغنياء أراد سبحانه وتعالى أن يطمئنهم من هذه الجهة فقال تعالى: ﴿ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض﴾ ذلك لأن الأرض جميعها ملك لله والناس كلهم عبيد له خلقهم للعمل والجهاد في سبيل ما يأمر به مما فيه صلاح العالم وعمار الكون فهم إذ يتركون بلادهم ويهاجرون منها فأيما بلد يهبطون بها يجدون فيها ﴿مراغمًا﴾ مهربًا ﴿كثيرًا﴾ يحتمي فيه برغم أنف من كانوا مستضعفين له ﴿وسعة﴾ من الرزق إذ الرزق ليس محصورًا في بلد دون أخرى بل هو موجود في جميع أنحاء الدنيا وليس للإنسان إلا مجرد السعي لاكتشاف مواضعه هذا بالنسبة إلى حال الإنسان في الدنيا أما بالنسبة إلى الآخرة فقد قال عنه تعالى ﴿ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله﴾ أي فارًا بدينه محتفظًا لنفسه بالكرامة وعدم الخضوع لحكم المستعمرين الظالمين ﴿ثم يدركه﴾ بسكون الكاف وقرئ بضمها ﴿الموت﴾ قبل أن يصل إلى مأمنه ﴿فقد وقع أجره على الله﴾
تفسير الخطيب المكي · الصفحة ٥١٠
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير الخطيب المكيص ٥١٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي