قضت بالهبوط إلى الأرض مؤقتًا فلابد وأن يكون لهم من ورائه الخير الجزيل ﴿والذين كفروا﴾ بنا ﴿وكذبوا بآياتنا﴾ الموضحة لسبيل الهدى والتي أشير إليها من قبل ﴿أولئك أصحابُ النارِ﴾ التي أعدت خصيصًا لهم ﴿هم فيها خالدون﴾ إلى ما لا نهاية، ولهذا فنحن نجتاز في هذه الحياة الدنيا دور اختبار مماثل للموقف الذي وقفه آدم عليه السلام من قبل تجاه إبليس فمن أطاع الله واتبع أوامره وأناب إليه سبحانه وتعالى عن المعاصي نجا ومن اتبع إبليس وعصى ربه ولم يرجع إليه بالتوبة والندامة استحق عذابه وعقوبته بعد أن أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بدعوة المؤمنين والكافرين إليه واجتذابهم نحوه بتذكيرهم نعمه تعالى عليهم من أساس خلقهم أخذ يوجه خطابه بصورة خاصة إلى بني إسرائيل الذين كان يقيم كثير منهم في المدينة المنورة وهم من أهل الكتاب، الذين سبق لهم أن آمنوا بالله وبرسوله موسى عليه السلام فهم أحرى من غيرهم بالإيمان بما جاء من عند الله على لسان رسوله محمد بن عبد الله فذكرهم بالإله تعالى، وما أنعم عليهم به من نعم جمة يعرفونها من أنفسهم، وبما جاء في التوراة من أخبار الأمر الذي من شأنه أن يحملهم على الإيمان برسالته عليه الصلاة والسلام، وهو ذلك الفتى الأمي الذي لم يدرس تاريخهم، ولم يكن يعلم شيئًا عنهم إلا ما جاء في كتاب الله القرآن، وهو بهذا يكشف عن طبائع العنصر الإسرائيلي، ومدى جحوده وكفره، ومعاجزته لموسى عليه السلام ليحذرهم المؤمنون. فقال: ﴿يا بني إسرائيل﴾ ويراد منهم قادتهم، وعلماؤهم العالمون بالتوراة ﴿اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم﴾ وهي أجل من أن تحصى، وأنتم لا تجحدونها حتى بلغ بكم الأمر أن ظننتم أنكم أبناء الله وأحباؤه من فرط تلك النعم التي أغدقها عليكم ﴿وأوفوا بعهدي﴾ الذي عاهدتكم عليه الوارد في سورة المائدة من قوله: ﴿ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبًا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضًا حسنًا﴾ ﴿أوف بعهدكم﴾ الذي قطعته لكم في نهاية الآية من قولي: ﴿لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل﴾ ﴿وإياي فارهبون﴾ أي فاحذروا غضبي في حال كفركم وضلالكم ﴿وآمنوا بما أنزلت﴾ على رسولي محمد ﴿مصدقًا﴾ أي مؤيدًا ﴿لما معكم﴾ من التوراة والإنجيل، ومقررًا في تعاليمه ضرورة الإيمان بموسى وعيسى وكتبهما ﴿ولا تكونوا أول كافرٍ به﴾ أي جاحد بالقرآن، بل كونوا أسبق الناس بالإيمان به لما لديكم من العلم، ولئن
تفسير الخطيب المكي · الصفحة ٤٩
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير الخطيب المكيص ٤٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي