التي حرمت على آدم في الجنة وعلى أبنائه بغير عقد شرعي في هذه الحياة وقد أتم الآية بقوله: ﴿فتكونا﴾ بالقرب بمعنى الجماع ﴿من الظالمين﴾ لأنفسهم باستحلالهم ما جعل الله الأصل فيه الحرمة ﴿فأزلهما﴾ أي حملهما على الزلل وقرئ ﴿فأزالهما﴾ أي فنحاهما ﴿الشيطان عنها﴾ أي عن الجنة بما زين لهما من مخالفة الأمر ﴿فأخرجهما مما كانا فيه﴾ من نعيم الجنة ومتاعها حيث استحقا غضب الله عليهما فما كان منه سبحانه إلا أن قال ﴿وقلنا اهبطوا﴾ أيها العاصون من إبليس وأتباعه وآدم وزوجه ﴿بعضكم لبعضٍ عدو﴾ عداوة متأصلة يتوارثها الأبناء عن الآباء ما ذكروا هذه القصة ﴿ولكم في الأرض مستقرٌّ﴾ أي موضع سكن مؤقت ﴿ومتاعٌ﴾ المتاع ما ينتفع به انتفاعًا قليلًا ﴿إلى حين﴾ أي وقت معلوم عنده جل وعلا ثم تعودون إلى حياة الخلود الدائمة وهي الحياة الأخرى وهذا ما أطمع آدم في غفران ربه، فندم على ما فرط منه وأناب ﴿فتلقى آدم من ربه كلماتٍ﴾ قالها وهي كما في سورة الأعراف ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ﴿فتاب عليه﴾ وتجاوز عن عقابه على تلك الزلة، وسن بذلك سنة لأبنائه من بعده أن يستغفروا الله فيتوب عليهم ﴿إنه هو التواب﴾ الذي يقبل التوبة من عباده ﴿الرحيم﴾ الذي يعطف عليهم لضعفهم وانكسارهم، ولقد سجل الله بهذه الآيات الكريمة مننًا عظمى له على الإنسان: الأولى أنه أخضع له كرام خلقه وهم الملائكة حيث أمرهم بالسجود له والكثير من مخلوقاته من باب أولى، والثانية أنه جعل إقامته الدائمة ستكون في الجنة وأن هبوطه إلى الأرض ما كان إلا لفترة محدودة لعمار هذا الكون، وأداء الاختبار، والثالثة أنه فتح له في ساعة الزلة باب التوبة وألهمه من الكلمات ما هو سبيل الغفران بعد أن تلقى آدم بشارة التوبة من ربه وقف طامعًا أن يكون من مقتضى التوبة العفو والتجاوز عن الهبوط إلى الأرض، ولكنه بالنظر لأن أمر الهبوط كان مشتركًا بين آدم وإبليس الذي لم يستغفر ولم يندم كرر الله الأمر حيث قال: ﴿قلنا اهبطوا منها جميعًا﴾ إلى الأرض كما سبقت إرادتي بذلك من قبل، على أن تظلوا في دور اختبار دائم، وإني سأصدر عليكم أوامر أخرى كلها لمصلحتكم ﴿فإما يأتينكم مني هدًى﴾ عن طريق رسل من قبلي وكتب منزلة مني ﴿فمن تبع هداي﴾ وأطاع أوامري واجتنب ما أنهاه عنه ﴿فلا خوف عليهم﴾ من حلول نقمة الله بهم ما داموا سائرين على طريق الهدى ﴿ولا هم يحزنون﴾ على ما فاتهم من سكنى الجنان لأنهم واثقون من عودتهم إليها حسب وعد الله الذي عفا عنهم ولم يقصد بهم سوءًا في هذه الأرض، وما دامت إرادة الله قد
تفسير الخطيب المكي · الصفحة ٤٨
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير الخطيب المكيص ٤٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي