بالذوق عن الجماع في قوله: «لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» وكأنهما بعد اتصالهما الجنسي استقبحا منظرهما وهما على تلك الحالة فبدى لهما أن من واجبهما ستر سوءتيهما اللتين عصيا الله بهما ﴿وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة﴾ أي يلزقان أو يربطان على سوءتيهما من ورق الجنة وهذا مما يؤيد تمامًا ما استنتجناه من حقيقة الشجرة وإلا فأي علاقة بين أكل آدم من شجرة أخرى كالحنطة والتفاح مثلًا وحاجته إلى ستر السوءة وليس ما يمنع من إطلاق اسم الشجرة على شجرة السلالة البشرية فقد شبه الله الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة كما وصف الله المرأة بالتربة المعدة للإنبات حيث قال: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ ولعل في قوله تعالى عقب تلك الآية ﴿وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة﴾ ولم يقل عن تلك الشجرة ما يشير إلى أن الشجرة إنما تولدت من اجتماع السوءتين، ولعل في عدوله تعالى عن الإشارة ﴿بهذه﴾ إلى ﴿تلكما﴾ ما يدل على انتقال المشار إليه من الظاهر إلى داخل الأحشاء بتكون الجنين، ولعل الحكمة في منع الله لهما من ذلك في تلك الجنة أنهما كانا في موضع مقدس لا يليق فيه مثل هذا الأمر بدليل نهي الله عن إتيانه في بيوت الله إذ قال: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ ولما يترتب عليه من الحمل والولادة وما يتطلبه ذلك من جهد وقذارة تستدعي الهبوط إلى الأرض ولعل في إذن الله لآدم بالأكل من كل شيء ونهيه عن إتيان هذا الشيء ما يشير إلى أن الأصل في كل شيء الحل ما عدا الجماع فإن الأصل فيه الحرمة ما لم يأذن به الله بما شرعه من النكاح بعد ذلك، ولعل في تسمية العورة بالسوأة ما يشير إلى أنها محل الفحش والله أعلم، وإن في وسوسة الشيطان لأبناء آدم بهذا الأمر ما يدل على أنه رأس كل خطيئة خصوصًا وقد نهى الله بني آدم من أن يستجيبوا إلى فتنة الشيطان لهم عن هذا الطريق الذي سبب خروج آدم من الجنة بقوله بعد ذلك: ﴿يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما﴾ أي احذروا أن يزين لكم الشيطان التطلع إلى ما وراء الستر من السوأتين اللتين هما سبيل إيقاظ الشهوة والوقوع في المعاصي، بل وانصراف القلب عن الله، إذ يقول صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني وهو مؤمن» وهذا لا يعني أن الإنسان بالزنا يكفر بالله بل المراد أنه بتغلب شهوته عليه يفقد إيمانه بأن الله قد نهاه عن ذلك الأمر وأنه تعالى عالم به ومطلع عليه وهو على تلك الحالة المزرية، وهذا ما أصاب آدم في الجنة تمامًا عندما قرب حواء وهو ما يعتري أبناءه ويحملهم على اقتراف معظم الجرائم والآثام، وهذه هي الشجرة
تفسير الخطيب المكي · الصفحة ٤٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير الخطيب المكيص ٤٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي