الخطاب فيها بمعنى اتخذاها محل إقامة دائمة لكما ﴿وكلا منها رغدًا﴾ العيش الرغد الطيب الذي لا عناء فيه ﴿حيث شئتما﴾ أي من كل ما امتدت إليه أيديكما من الثمار أو ما تريد أن أكله ﴿ولا تقربا﴾ بمعنى لا تدنوا من ﴿هذه الشجرة﴾ ولم يسم الله الشجرة فاختلف الظنون في حقيقتها وقال بعض المفسرين إنها الحنطة وقال آخرون إنها التفاح ولا دليل لهم على ذلك وأمسك الكثير من البحث فيها ولكني وأنا أتأمل في كلام الله يلوح أن المراد منها «شجرة السلالة البشرية» وقد منعهما الله من القرب منها بالاتصال الجنسي الذي يتم بواسطته دوام النسل والسيطرة على سائر المخلوقات كما يستنتج من مجموع الآيات الواردة في هذا الشأن فالله سبحانه إذ خلق آدم وأسكنه الجنة وحذره من طاعة إبليس قال في سورة طه ﴿إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى﴾ فدل هذا على أنه وزوجه كانا في الجنة مكسوين ولعل الله تبارك وتعالى عندما قال لهما ﴿لا تقربا هذه الشجرة﴾ إنما أشار إلى ما كان محجوبًا عنهما بالكساء من موضع السوءتين فاشتبه الأمر عليهما ولم يدركا المقصود من الشجرة فزين لهما إبليس بدافع حب الاستطلاع أن يتبين ماهية الشجرة المستترة حيث قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما وري عنهما من سوآتهما﴾ أي أن أول عمل قام به إبليس هو أنه حبب إليهما أن يكشفا عن موضع الشجرة التي أشار إليها الله ليبدي لهما ما كان مخفيًا عنهما من السوءتين وما حولهما من منابت شعر العانة وعندئذ تحركت فيهما عاطفة الشهوة ونسيا تحذير الله لهما وبدأ الشيطان حديثه معهما ﴿وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة﴾ ولعله أشار إلى سوءتيهما وعلمهما طريقة الاتصال الجنسي ﴿إلا أن تكونا ملكين﴾ بكسر اللام في قراءة بمعنى حاكمين في الدنيا ﴿أو تكونا من الخالدين﴾ أي بدوام نسلكما وقد جاء في سورة طه قوله: ﴿فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى﴾ ولم يكن في قوله هذا كاذبًا فهذا هو سبيل دوام النسل ونيل الخلافة في الأرض وقد أدرك إبليس هذا من قوله تعالى للملائكة قبل خلق آدم ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ ولذا أكمل الله القصة في سورة الأعراف بقوله: ﴿وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة﴾ وإن في قوله تعالى: ﴿فلما ذاقا الشجرة﴾ ما يشير إلى أن ما حصل منهما لم يكن أكلًا وإنما كان ذوقًا أو هو القرب المنهي عنه وقد كنى الله بالقرب عن الجماع في قوله: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ كما كني رسول الله صلى الله عليه وسلم
تفسير الخطيب المكي · الصفحة ٤٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير الخطيب المكيص ٤٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي