تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ضمن الدائرة التي حددتها لنا ﴿إنك أنت العليم﴾ بمقاصدنا ﴿الحكيم﴾ الذي لا يوجد شيئًا إلا عن حكمة ﴿قال﴾ الله ﴿يا آدم أنبئهم بأسمائهم﴾ أي أسماء هذه المسميات ﴿فلما أنبأهم﴾ آدم ﴿بأسمائهم قال﴾ الله للملائكة ﴿ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض﴾ وها أنا قد ميزت آدم عنكم بالعلم بأسرار هذه المخلوقات وخواصها وقد عجزتم عن إدراك أسمائها فقط ومن هذا تعلمون ثمرة خلق آدم وما أريده من عمار الكون عن طريقه ﴿وأعلم ما تبدون﴾ من ظاهر ما قلتم ﴿وما كنتم تكتمون﴾ من حب الاستطلاع والرغبة في معرفة حكمة جعلي الخليفة وخلقي للإنسان. وما إن انتهى الله من ذكر قصة خلق آدم وتميزه عن الملائكة بالعلم حتى ثنى بذكر منة أخرى له عليه هي تفضيله عليهم في المقام حيث قال ﴿وإذ قلنا للملائكة﴾ بعد أن قامت الحجة عليهم واعترفوا بقصر نظرهم ﴿اسجدوا﴾ سجود إجلال وحرمة لا سجود عبادة فإن ذلك لا يكون إلا لله ﴿لآدم﴾ الذي هو أصل السلالة البشرية ﴿فسجدوا﴾ جميعًا له ﴿إلا إبليس﴾ لقد استدل المفسرون من هذا على أن إبليس كان من الملائكة وقال بعضهم إنه كان من كبارهم وإنه ما ترك شبرًا في الأرض إلا سجد لله فيه. وهذا خلاف الحقيقة لأن الله قد وصف الملائكة بأنهم ﴿لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ وإبليس قد عصاه فهو ليس منهم وقد صرح الله في سورة الكهف بأنه ﴿كان من الجن ففسق عن أمر ربه﴾ ولذلك فمن رأيي أن إبليس كان من فصائل الجن أي واحدًا من المخلوقات الخفية التي سمعت أمر الله للملائكة بالسجود فكان عليه أن يسجد معهم باعتباره أحط درجة منهم، فقد خلقوا من النور وخلق من النار، ومتى أمر الشرفاء بالسجود كان وجوب السجود على العامة من باب أولى ولكنه خالف ليعرف و ﴿أبى﴾ إطاعة الأمر ﴿واستكبر﴾ أي أخذته عزة النفس أن يسجد لمخلوق يراه في نظره أحقر أصلًا وأحط درجة منه ﴿وكان﴾ بتمرده وعصيانه ﴿من الكافرين﴾ المعاندين وهو أول من سن سنة الاعتداد بالنفس والعصبية العنصرية، وأطلق عليه وعلى ذريته اسم الشياطين لما جبلوا عليه من الأذى وبقي اسم الجن يطلق على من لم يكن من الملائكة ولا من الشياطين بل من عالم الجان أي الخفي المقابل لعالم الإنس الظاهر، وهؤلاء منهم الصالحون ومنهم الطالحون، كالإنسان تمامًا، وكان من نعم الله التي عددها على الناس أيضًا أنه أعد لآدم جنة ذات ثمار وأزهار ومياه جارية ومناظر خلابة ﴿وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة﴾ ولعل في قوله اسكن ولم يقل ادخل إشارة إلى أن أساس خلقه كان في تلك الجنة التي كان

تفسير الخطيب المكي · الصفحة ٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير الخطيب المكيص ٤٥