وتجحدوا نعمه التي أسبغها عليكم. بعد أن أمر الله نبيه ببشارة المؤمنين وتقريع الفاسقين وتذكيرهم بآلاء الله عليهم وكيف كانوا أمواتًا فأحياهم وخلق لهم ما في الأرض والسموات أمر رسوله أن يذكر لهم أيضًا أساس نشأتهم وتكوينهم وما حصل بينه تعالى وبين الملائكة من حوار من أجلهم أدى إلى إظهار الحكمة من خلقهم ليسجل عليهم مننه من مبدأ التكوين فقال ﴿وإذ قال ربك﴾ في يوم من الأيام بعد خلقه للأرض والسموات ﴿للملائكة﴾ وهو خلق من المخلوقات الخفية أصحاب قوى عظيمة اتخذهم الله رسلًا لتبليغ أوامره وتنفيذ أحكامه لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ﴿إني جاعلٌ في الأرضِ خليفة﴾ ينوب عني في الحكم بالعدل بين المتخاصمين، وإقامة الحدود على المجرمين، ونشر السلام بين العالمين؛ فأدرك الملائكة من هذا أنه لا بد وأن يكون على البسيطة ظلمة سفاحون يحتاجون إلى من يقيم العدل بينهم ولذلك ﴿قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها﴾ بالظلم ﴿ويسفك الدماء﴾ بالاعتداء ﴿ونحن﴾ قد خلقنا من قبل ﴿نسبح بحمدك﴾ ولا نزال نسبح في سرنا وجهرنا ﴿ونقدس لك﴾ نعمك وعظيم فضلك ولا نعصي لك أمرًا، ولسنا في حاجة إلى خليفة يقضي بيننا في شأن من الشئون فلماذا تخلق خلقًا غيرنا في الأرض يسير على غير نهجنا ويحتاج إلى نصب خليفة يقيم العدل ويردع الظالم ﴿قال إني أعلم ما لا تعلمون﴾ لأنني أنا الخالق أعلم بإرادتي وأعرف ما أرمي إليه. ولي في كل ذلك حكمة فلولا الظلم لما كان العدل ولولا الذنب لما تجلب ثمرة الغفران وهذه المخلوقات جميعًا ما خلقت إلا لمصلحة الإنسان ولا يستطيع استخدامها أحد سواه ولأجل أن يبين سبحانه وتعالى مزية الإنسان وأهميته في الوجود، ويقنع الملائكة بخطئهم فيما قالوه عمد إلى آدم فعلمه كل شيء حيث قال ﴿وعلم﴾ الله ﴿آدم﴾ بعد خلقه بالفطرة والإلهام النفسي ﴿الأسماء كلها﴾ الدالة على جميع الكائنات وما فيها من أسرار وحكم، والعلم بالدليل يستلزم العلم بالمدلول بصفته وحقيقته وخواصه ﴿ثم عرضهم﴾ أي هذه المخلوقات ﴿على الملائكة﴾ مستفهمًا عن مجرد أسمائها ﴿فقال أنبئوني بأسماءِ هؤلاء﴾ المسميات ﴿إن كنتم صادقين﴾ فيما تحسبونه لأنفسكم من مكانة علمية جعلتكم تستنجون من تنصيب الخليفة إيجاد المفسدين السفاحين وسوغت لكم الاستيضاح عن حقيقة ما أريد وقد عجز الملائكة عندئذ عن معرفة أسماء تلك المسميات لأن الله لم يجعل لهم ملكة هذه المعرفة فأدركوا أخطاءهم فيما صدر منهم وأنابوا إلى الله و ﴿قالوا سبحانك﴾ ربنا تبنا إليك ﴿لا علم لنا إلا ما علمتنا﴾ ومعرفتنا محصورة
تفسير الخطيب المكي · الصفحة ٤٤
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير الخطيب المكيص ٤٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي