تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فيها من المضرات اللاحقة بالنوع البشري فيعم الخراب والدمار، وتسود الفوضى يختل نظام العمران ﴿أولئك﴾ الذين يتصفون بتلك الصفات الثلاث ﴿هم الخاسرون﴾ الذين خسروا الدنيا وما فيها، فلا يحسون بنعمة الراحة، ولا يتذوقون معنى للسعادة، وخسروا الآخرة لأنهم لم يتزودوا لها بمعدات التقوى وبعد أن أمر الله رسوله بأن يبشر الذين آمنوا بما أعد لهم في الآخرة من عذاب عظيم، وينبههم إلى أن القرآن من الأمثال أو الآيات ما يكون سبيلًا لإيمان الإنسان أو كفره كل بحسب نظرته إليه ومدى تأثره به؛ وأكد جل وعلا أنه لا يمكن أن يضل به إلا الفاسقين الذين يعملون بعكس ما يدعو إليه القرآن، أمره أن يوجه إلى الفاسقين شيئًا من التوبيخ والتفريع على صنعهم ويذكرهم بآلاء الله عليهم ويعرفهم بعظمته وجلاله وكمال علمه لعلهم يثوبون إلى رشدهم ويرجعون عن غيهم وكفرهم فقال ﴿كيف تكفرون بالله﴾ أيها الفاسقون وإنما وصفهم بالكافرين إشارة إلى أنه ليس المراد بالكفر عدم الإيمان بالله فقط بل إنه يشمل نقض عهده واستحلال ما حرم ﴿وكنتم﴾ من قبل ﴿أمواتًا﴾ أي لا وجود لكم فخلقكم في بطون أمهاتكم من نطفة لا ترى ثم أحالها إلى علقة ثم سواكم لحمًا وعظمًا ﴿فأحياكم﴾ بنفخ الروح فيكم ثم أخرجكم إلى هذه الحياة الدنيا ﴿ثم يميتكم﴾ بانتزاع الروح من أجسادكم عند انتهاء آجالكم ﴿ثم يحييكم﴾ حياة نفسية أخرى برزخية في العالم غير المنظور ﴿ثم إليه﴾ يوم القيامة ﴿ترجعون﴾ بأنفسكم وأجسامكم لتنالوا جزاء أعمالكم فإذا كنتم لا تنكرون هذا فما بالكم لا تقدرون نعمه ولا تخافون بأسه وعقابه ﴿هو الذي﴾ كان من تمام فضله عليكم أنه عند خلقه لكم لم يترككم هملًا بل ﴿خلق لكم ما في الأرض جميعًا﴾ من أخضر ويابس وذي روح وغير ذي روح كلها مسخرة لمصالحكم ومهيأة لاستفادتكم منها بمختلف الوسائل التي يلهمكم بها سبحانه عن طريق الفكر والاختراع ﴿ثم استوى إلى السماء﴾ استوى إلى الشيء: قصده أي توجهت إرادته لخلق السماء بعد خلقه للأرض ﴿فسواهن﴾ أي صنعهن ﴿سبع سماواتٍ﴾ طباقًا لمصالحكم ومنفعتكم أيضًا فهي تكيف لكم الحرارة والبرودة وفيها من الكواكب وما تستضيئون به وتهتدون في ظلمات الليل البهيم؛ إلى غير ذلك من المنافع التي أنعمت عليكم فإنه تعالى الخالق لها يعلم ثمراتها ومزاياها، وهو القدير على أن يكشف لكم جانبًا من أسرارها شيئًا فشيئًا كلما أمعن الإنسان في البحث وتقدم بالعلم نحو الكمال ﴿وهو بكل شيءٍ﴾ يحدث فيها أو في الأرض ﴿عليمٍ﴾ أي فما يكون لكم أن تكفروا به

تفسير الخطيب المكي · الصفحة ٤٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير الخطيب المكيص ٤٣