تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الجنة لا يخرجون منها ولا هي تفنى فيزولون بزوالها. جعلنا الله في زمرتهم وكتبنا فيهم ومنهم بفضله وكرمه.

وبعد أن أثبت الله سبحانه أن هذا القرآن قد نزل من عنده، وتحدى الجميع على الإتيان بسورة من مثله قرر حقيقة أخرى هي أنه لا يطعن في فصاحته وبلاغته أنه جاء مليئًا بالأمثال فقال: ﴿إن الله لا يستحي أن يضرب﴾ في القرآن ﴿مثلًا ما بعوضة﴾ أي بالبعوضة ومثيلاتها كالذباب أو العنكبوت ﴿فما فوقها﴾ أي ما فاقها في مرتبة الصغر والحقارة ﴿فأما الذين آمنوا﴾ بأنه من عند الله ﴿فيعلمون أنه﴾ ما جاء بهذه الأمثال إلا لزيادة الإيضاح والتبيان، وليخاطب الناس على قدر عقولهم، ويقرب الأمر إلى أذهانهم فهو ﴿الحق﴾ الذي لا مراء فيه ﴿من ربهم﴾ فيحملهم هذا العلم على التفكير في حقائق الأشياء والتأمل في بدائع المخلوقات فيزدادون إيمانًا ﴿وأما الذين كفروا﴾ بالقرآن وجحدوا تنزيله من عند الله ﴿فيقولون﴾ لقصر نظرهم ﴿ماذا أراد الله بهذا مثلًا﴾ أي ما هو الداعي لهذا المثال؟ ولو سلمت نفوسهم من الريب لتركوا الاعتراض، وأيقنوا بأن ذلك لا يخلو من حكمة، ولعل في ذكر مثل هذه الأمثال في القرآن ما يمتحن الله به قلوب عباده حيث تثبت به قلوب المؤمنين وتزيغ منه قلوب الضالين الفاسقين وبمثل هذا ﴿يضل به كثيرًا﴾ نتيجة اعتراضهم وريبتهم ﴿ويهدي به كثيرًا﴾ جزاء إيمانهم وتسليمهم ﴿وما يضل﴾ الله ﴿به﴾ أي بما ذكر من الأمثال ﴿إلا الفاسقين﴾ فسق: خرج عن طريق الحق والفاسق هو الذي يستحل لنفسه ما حرم الله وقد وصف الله الفاسقين بصفات ثلاث هي نقض العهد، وقطع ما يجب أن يوصل، والإفساد في الأرض، وسجل عليهم بذلك الخسران المبين فقال هم ﴿الذين ينقضون عهد الله﴾ الذي أخذه عليهم بواسطة الرسل والأنبياء من حفظ حواسهم واستعمال مواهبهم فيما خلقت لها والوفاء للناس فيما عاهدوهم عليه ﴿من بعد ميثاقه﴾ ودعمه بالإيمان بالله وتصديق رسله وكتبه أو تأكيده للناس بالحلف بالله لما يترتب على نقض العهد الأول من اختلال النظام الكوني وعموم الفوضى في جميع الشئون، ويترتب على نقض العهد الثاني من انتزاع الثقة بين الناس في جميع معاملاتهم وفقدان التعاون في المحافظة على مرافق الحياة ﴿ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل﴾ من روابط المودة والإخاء بين المسلمين عامة والأقربين من ذوي الرحم والجيرة خاصة لما يترتب على ذلك من التقاطع بينهم وحلول العداء محل الوئام والولاء ﴿ويفسدون في الأرض﴾ بارتكاب المحرمات التي لم يمنع الله من إتيانها إلا لما

تفسير الخطيب المكي · الصفحة ٤٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير الخطيب المكيص ٤٢