تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القتل ونتحاشاه فنحن لا نريد القتل وما جئنا لنقتل ﴿قل﴾ لهم أيها الرسول إن موضوع الموت أمر محتم محدود قضت به مشيئة الله فلا مرد له، وأما التعرض له فمن كسب الإنسان وإرادته، إذ ﴿لو كنتم في بيوتكم﴾ وحان وعد انتهاء آجالكم ﴿لبرز الذين كتب عليهم القتل﴾ بباعث نفسي واختيار منه ﴿إلى مضاجعهم﴾ للمواضع التي قدر لنفوسهم أن تقبض فيها وقد لا تكون هذه المواضع ميادين حرب ونزال بل أماكن سرور ومرح، ولو لم تنته آجالكم فلن تموتوا ولو تعرضتم للقتل وأعظم الأخطار فأنتم لا تعلمون مواضع الموت حتى تتحاشونها ولا يغني حذر من قدر ﴿و﴾ ما كان الأمر بالجهاد إلا ﴿ليبتلي الله ما في صدوركم﴾ من حب الله ورسوله ورغبة في طاعتهما ﴿وليمحص ما في قلوبكم﴾ من إيمان بقضاء الله وقدره ﴿والله﴾ في الماضي والمستقبل ﴿عليم بذات الصدور﴾ لا تخفى عليه من أمركم خافية، فالابتلاء لم يكن لأنه يخفى عليه ما في صدوركم بل ليرتب لكم الثواب والعقاب. ﴿إن الذين تولوا﴾ هاربين من المعركة بعد الهزيمة، وبعضهم أشرف على أبواب المدينة ﴿منكم﴾ لم يخرجوا عن كونهم مؤمنين مثلكم ﴿يوم التقى الجمعان﴾ في أحد ﴿إنما استزلهم الشيطان﴾ إذ أدخل في قلوبهم الرعب ﴿ببعض ما كسبوا﴾ بالعمل الذي ارتكبوه وهو الفرار من الميدان الذي هو من كسبهم ﴿ولقد عفا الله عنهم﴾ عفوًا خاصًا بالفارين يوم أحد وإلا فإن الفرار من المعركة من الجرائم التي يعاقب عليها في الدنيا والآخرة.

روي أن عثمان بن عفان عوتب في هزيمته يوم أحد فقال إن ذلك خطأ عفا الله عنه. ﴿إن الله غفور﴾ لمن تاب وأناب ﴿حليم﴾ لا يعجل العقوبة ليدع ميدانًا للتوبة وفعل الصالحات.

بعد أن نهى الله سبحانه المؤمنين عن طاعة الكفار وأقام الأدلة الملموسة على فضيلة الانصياع لأحكامه وما يترتب على طاعته ومعصيته من نتائج، وأشار إلى ما يؤدي إليه حب النفس من شك في العقيدة وتجاهل للحقائق، أخذ ينهاهم عن تقليد الكفار في أقوالهم التي مع الإيمان بالله فقال ﴿ياأيها الذين آمنوا﴾ بقضاء الله وقدره ﴿لا تكونوا كالذين كفروا﴾ لا تقلدوهم في العقائد فتظنوا أن أعمال العباد قد تحول دون تنفيذ ما اقتضته مشيئة الله من نظام قضائه وقدره وإن كل شيء لا ينفذ إلا بإذنه جل وعلا ﴿وقالوا﴾ أي لا تقولوا كما يقولون ﴿لإخوانهم﴾ اللام بمعنى عن أو في، فحروف الجر تنوب عن بعضها، والمراد بإخوانهم في الوطن: أي الذين كانوا مقيمين معهم

تفسير الخطيب المكي · الصفحة ٣٩٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير الخطيب المكيص ٣٩٤