تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿إذا ضربوا في الأرض﴾ بقصد التجارة وطلب الرزق ﴿أو كانوا غزى﴾ أي غزاة مجاهدين في سبيل الله ثم أصابتهم مصيبة الموت ﴿لو كانوا عندنا ما ماتوا﴾ أولئك المسافرون ﴿وما قتلوا﴾ أولئك الغزاة. وهذا قول ظاهر الفساد منطقًا وشرعًا، فهم لا يملكون الحياة حتى يهبوها لهم إن كانوا عندهم، وهم أنفسهم معرضون للموت فكيف يمنعونه عنهم، والله سبحانه قضى بالموت وقدر الآجال، وقال عز من قائل: ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة﴾. ﴿ليجعل الله ذلك﴾ عدم اعتقادكم كعقيدتهم وعدم قولكم كقولهم وما ينشأ عن ذلك من قوة عزيمتكم لا يصدكم خوف الموت عن القتال ولا يحول دونكم ودون العمل لنيل أمانيكم ﴿حسرة في قلوبهم﴾ لعدم تأثركم بأقوالهم وما كانوا يرجونه من ضعفكم وذهاب إيمانكم وتلاشي عقيدتكم ﴿والله﴾ في الواقع ونفس الأمر هو الذي ﴿يحيي﴾ يهب الحياة ﴿ويميت﴾ فلا دخل لكثرة الأسفار ولا للتعرض لأعظم الأخطار ﴿والله بما تعملون﴾ أي ما تزاولون من أسباب تؤدي بكم إلى تنفيذ ما قضت به مشيئته. وقرئ "يعملون" بالياء بدل التاء ﴿بصير﴾ ينظر إلى جميع حركاتكم وسكناتكم ويطلع على ما تكنه صدوركم من النيات ﴿ولئن قتلتم﴾ في ميدان الجهاد ﴿في سبيل الله﴾ ومن أجل إعلاء كلمته ونصر دينه ﴿أو متم﴾ بضم الميم الأولى وقرئ بكسرها في بيوتكم وأنتم عاملون لهذه الغاية السامية ﴿لمغفرة﴾ مستحقة ومقررة لكم ﴿من الله﴾ لما ارتكبتموه في الدنيا من الآثام ﴿ورحمة﴾ في الآخرة يظفر بسببها الإنسان في الجنة بأعلى الدرجات ﴿خير﴾ لكم ﴿مما يجمعون﴾ أي أولئك الكفار وقرئ "تجمعون" بالتاء بدل الياء في هذه الدنيا من حطام زائل ونعيم غير دائم سيتركونه بعد موتهم ولا ينفعهم في الآخرة شيئًا ﴿ولئن متم أو قتلتم﴾ في سبيل الله لا في سبيل غيره. ﴿لإلى الله تحشرون﴾ فمردكم في الحالين إليه سبحانه وتعالى وهو الذي سيتولى جزاءكم وعقابكم.

بعد أن أرشد الله المؤمنين في الآيات المتقدمة إلى ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم، وكان من جملة ذلك أن عفا عنهم، أراد أن ينبههم إلى أن من ضمن نعمه عليهم أن جعل نبيه عليه الصلاة والسلام لا يؤاخذهم على عصيانهم وفرارهم من المعركة بالقسوة كما هو شأنه مع كل معتد على حرمات الله، بل إنه صلى الله عليه وسلم قابلهم بالحسنى ولين الجانب فوجه الخطاب إلى رسوله فقال ﴿فبما﴾ بسبب ما أودعه الله في قلبك من ﴿رحمة من الله﴾ بقومك في تلك اللحظة ﴿لنت لهم﴾ أحسنت مقابلتهم فلم تعاتبهم على ما صدر منهم مع أنهم خالفوا أمرك وسببوا إيقاع الأذى بك

تفسير الخطيب المكي · الصفحة ٣٩٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير الخطيب المكيص ٣٩٥