تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن الفرق بينهما أن إرادة الإنسان قد تحصل من غير أن تتقدمها إرادة الله، فالإنسان يريد أن لا يموت ويأبى الله ذلك لأن مشيئته قد سبقت بالموت بخلاف مشيئة العبد فإنها لا تكون إلا بعد مشيئة الله لقوله تعالى: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾ كذلك مشيئة الله إنما تتعلق بوضع السنن والأنظمة الكونية والآجال والأرزاق وما شابه ذلك من الأمور الكلية التي لا تبديل فيها أما إرادته فإنها تتناول باقي شئون خلقه ويجري تطبيقها وفق سننه في خلقه، فالله سبحانه وتعالى قد قضت مشيئته سن السنن ووضع القواعد وخلق الخلق وتقدير أعمارهم وأرشدهم إلى طريق الخير ومواضع الذلل وترك لهم الحرية فيما يعملون وما يختارون من سبل ضمن الدائرة التي رسمها لهم، فكل عمل يؤديه المرء في الحياة لاشك داخل ضمن السنن ولم يخرج عن كونه بمشيئة الله التي اقتضتها سننه، كذلك خلق الله جنة ونارًا وقضت مشيئته أن تملأ كل منهما بحسب أعمال العباد ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون * وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون﴾ فهزيمة المقاتلين في أحد كانت ناشئة عن أعمالهم المخالفة لإرادة الله وهي في نفس الوقت موافقة ومطابقة لمشيئته لا من حيث أشخاصهم بل من حيث إنها قضت بأن الفشل والتنازع والعصيان من شأنه أن يسبب الهزيمة ولولا ما صدر منهم لنالوا النصر بمقتضى مشيئة الله أيضًا القاضية بأن الجهاد لله مع الثبات والطاعة من موجبات النصر. وقتل من قتل من المسلمين في أحد أيضًا كان موافقًا لما قضت به مشيئته من انتهاء أعمارهم وإن كان خروجهم إلى القتال الذي هو من كسب أعمالهم ومحض اختيارهم موافقًا لإرادة الله لهم الخير بالاستشهاد في سبيله ومن أجل ذلك استحقوا الثواب ونالوا السعادة. ﴿يقولون هل لنا من الأمر من شيء﴾ هل نملك نصر أنفسنا؟ ﴿قل إن الأمر كله﴾ بفتح اللام وقرئ برفعها ﴿لله﴾ لا أمر النصر وحده، فكل أمر يجري في الكون إنما هو حسب سننه تعالى في خلقه ونظامه الذي ربط فيه الأسباب الظاهرة أو الخفية بمسبباتها واحتفظ لذاته العلية بنصر من يريد ﴿يخفون في أنفسهم﴾ عند قولهم: ﴿هل لنا من الأمر من شيء﴾ ﴿ما لا يبدون لك﴾ من الاعتراض إذ يحدثون أنفسهم بقولهم مادام الله قد شاء لنا الهزيمة فلم نلام إن ولينا أو غلبنا ولكنهم لا يصرحون بهذا كما كان يقول المشركون بل ﴿يقولون﴾ بأفواههم شيئًا مشابهًا لهذا وهو ﴿لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا﴾ بل كنا ندرأ عن أنفسنا

تفسير الخطيب المكي · الصفحة ٣٩٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير الخطيب المكيص ٣٩٣