تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يترتب على طاعته ومعصيته من آثار فضرب لهم مثلاً بوقعة أحد، فقال: ﴿ولقد صدقكم الله وعده﴾ بالنصر في يوم أحد ﴿إذ تحسونهم﴾ الحس: القتل والاستئصال ﴿بإذنه﴾ في سبيل الغاية التي أذن الله لكم بقتلهم من أجلها: وهي إعلاء كلمة الله ﴿حتى إذا فشلتم﴾ في الاحتفاظ بهذه الغاية السامية ونظرتم إلى المادة وقصدتم جمع الغنائم ﴿وتنازعتم في الأمر﴾ فيما كنتم فيه من شأن واختلفت آراؤكم؛ فقال بعضكم ما بقاؤنا هنا وقد انهزم المشركون وقال الآخرون: بل يجب أن نظل ولا نخالف أمر رسولنا ﴿وعصيتم﴾ فعلاً أمر الرسول بترك أكثر الرماة للمكان الذي أقامهم فيه عليه الصلاة والسلام ﴿من بعد ما أراكم﴾ الله فعلاً ﴿ما تحبون﴾ من النصر على أعدائكم مع ما أنتم عليه من قلة وما هم عليه من كثرة نتيجة اتباع أوامر رسولكم بالثبات في مواضعكم وكان من أثر ذلك أن انشطرتم إلى شطرين ﴿منكم من يريد الدنيا﴾ وهؤلاء تركوا مواضعهم وذهبوا لجمع الغنيمة وكان عددهم أربعين رجلاً ﴿ومنكم من يريد الآخرة﴾ فلم يعبأ بالغنيمة ولم يتزحزح من مكانه وعددهم لا يتجاوز عدد الأصابع ﴿ثم﴾ إن الله جلت قدرته بعد أن صدقكم وعده وجعلكم تلمسون قدرته على نصركم ﴿صرفكم﴾ الله ﴿عنهم﴾ عن هزيمتهم واستمرار النصر لكم عليهم بسبب فشلكم وتنازعكم وعصيانكم ﴿ليبتليكم﴾ بقصد امتحان قلوبكم وتعريفكم بمبلغ قوته وقدرته على نصركم ﴿ولقد عفا عنكم﴾ أي سوف لا يؤاخذكم على ذلك الابتلاء لأنه ما كان إلا بمثابة درس لكم تتعظون به في المستقبل ﴿والله ذو فضل على المؤمنين﴾ فلا يذرهم على ما هم عليه من ضعف حتى يبتلي قلوبهم ويمحص ما في صدور المخلصين منهم فيأخذ بأيديهم إلى النصر والفوز المبين ﴿إذ تصعدون﴾ أي بفتح العين وكسرها يتعلق بصرفكم عنهم في الوقت الذي أصعدتم فيه ووليتم مدبرين وهو يوم أحد ﴿ولا تلوون على أحد﴾ أي لا تلتفون إلى جهة من شدة الذعر والهزيمة ﴿والرسول﴾ والحال أن الرسول كان بينكم ﴿يدعوكم﴾ إلى الثبات معه ﴿في أخراكم﴾ أي فيمن تأخر معه منكم وكانوا ساقة الجيش فقد ورد أنه كان يقول في دعوته: «إليّ عباد الله إني رسول الله من يكر فله الجنة». ﴿فأثابكم﴾ فجازاكم الله على ما صنعتم ﴿غما﴾ بسبب الخوف من الله والخجل من الرسول الذي عصيتم أمره ﴿بغم﴾ بدلاً عن الغم الذي كنتم فيه ساعة الهزيمة في غزوة أحد بسبب إحداق المشركين بكم بحيث لم تأمنوا أن تهلكوا جميعًا. وكان تراكم هذه الغموم عليكم لطفًا من الله وكرمًا ﴿لكيلا تحزنوا على ما فاتكم﴾ من الغنائم التي كنتم ترجونها

تفسير الخطيب المكي · الصفحة ٣٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير الخطيب المكيص ٣٩٢