تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تطيعوا} أمر ﴿الذين كفروا﴾ وتأتمروا بما يملونه عليكم من أوامر ويسنونه لكم من نظم وقوانين من وضعهم وتخضعوا لإرادتهم وترضوا بولايتهم عليكم ﴿يردوكم على أعقابكم﴾ يرجعوكم عن دينكم الحق بما يدسونه في قوانينهم من أحكام تخالف حكم الله الذي أنزل عليكم والذي هو واجب الطاعة دون سواه ﴿فتنقلبوا خاسرين﴾ وهل من خسارة أعظم من رجوع المؤمن عن دينه، وهل من ذل للمرء أكثر من أن يصبح تابعًا بعد أن كان متبوعًا، ومحكومًا بعد أن كان حاكمًا، ستقولون إنا لم نطعهم ولم نقبل ولايتهم إلا لما نجده فيهم من قوة وبأس وما نؤمله منهم من عون ونصر ﴿بل الله﴾ الحق أحق أن تطيعوه وتعتمدوا على قوته ونصره لكم وقرئ بفتح الهاء على تقدير بل أطيعوا الله فهو أولاً ﴿مولاكم﴾ الذي خلقكم وسواكم ومنحكم الحياة وآتاكم القوة وسبب لكم الأسباب وهو القادر بذاته على نصر من يشاء من عباده ﴿و﴾ ثانيًا أنه سبحانه ﴿هو خير الناصرين﴾ ذلك لأن نصرة المخلوق للمخلوق محصورة في المادة وهي الجند والعتاد ونصر الله لعباده فوق ذلك فإنه جل وعلا الذي يملك من وسائل النصر وأسباب الظفر من القوى غير المنظورة ما لا يستطيع العقل البشري تصوره. وحسبك أنه سبحانه وتعالى القائل: ﴿سنلقي﴾ متى أردنا نصر المؤمنين ﴿في قلوب﴾ أعدائهم من ﴿الذين كفروا﴾ بالله وقدرته اعتمادًا على غيره من الأسباب المادية ﴿الرعب﴾ بسكون العين وقرئ بضمها وهو سلاح ماض مؤثر جدًا للخذلان وهو من الأسلحة الخفية التي لا يملكها غير الله وحده، ومن المسلم به أنه إذا ضعفت القوى المعنوية في الجيش وملئت القلوب بالذعر فلا سبيل إلى النصر أبدًا. ﴿بما أشركوا﴾ أي بسبب شركهم ﴿بالله﴾ من الأصنام والمعبودات الباطلة التي زعموا أنها وسائط بين الله والخلق واعتقدوا فيها النفع والضر وقضاء الحاجات وتفريج الكربات والنصر على الأعداء ﴿ما لم ينزل﴾ الله ﴿به سلطانا﴾ حجة أو دليلاً في كتابه أو على لسان أنبيائه ﴿ومأواهم النار﴾ في الآخرة جزاء على إشراكهم ﴿وبئس﴾ النار ﴿مثوى﴾ مستقر ﴿الظالمين﴾ الذين يسيئون إلى أنفسهم بتعاميهم عن سبيل الحق واتباع الضلال.

بعد أن حض الله على الجهاد في سبيله وحذر المؤمنين من الرضاء بولاية الكفار عليهم لما يترتب على ذلك من ارتدادهم على أعقابهم وأكد لهم أن طاعته جل وعلا أفضل من طاعتهم لأنه هو مولاهم وهو خير الناصرين الذي يملك سلاح إلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا نتيجة الإشراك به أخذ سبحانه وتعالى يقيم لهم الأدلة الملموسة على فضيلة الإنصياع لأحكامه وما

تفسير الخطيب المكي · الصفحة ٣٩١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير الخطيب المكيص ٣٩١